الآن

(2016) عام توطيد الصداقة بين السيسي وإسرائيل

البينة الجديدة / القسم السياسي
بصوت أجش يأتي غاضبا عبر الهاتف يقول: «عزيزي كيف الحال؟ أرغب في أن تسحب المشروع الخاص بالاستيطان، أصدقاؤنا في إسرائيل لا يرضون عنه»، لثوان ودون تفكير يرد الجانب الآخر: «سنفعل.. سنسحب المشروع، لم ولن نريد إغضابكم أو تعكير صفو السلام بيننا وبينهم، نحن نرغب في التواصل دائما»، هكذا ربما رسم البعض حوارًا تخيليا للاتصال الذي لم يسمعه أحد بين دونالد ترامب والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كما يبدو من البيانات الرسمية للجانب المصري حول أزمة مشروع قرار وقف الاستيطان في الأرض المحتلة الذي انتهى بسحب الجانب المصري للمشروع، فيما أصرت دول أخرى على التقدم به وصوت مجلس الأمن عليه بأغلبية 14 دولة وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

بعض المتابعين للشأن المصري اعدوا موقف السيسي ونظامه متوقعًا وإن لم يتصور معظمهم أن يكون بتلك الطريقة، معتبرين أن ذلك نابع من علاقات تداخلت بشكل كبير على المستوى الأمني والسياسي بين الجانب المصري من ناحية والإسرائيلي من ناحية أخرى، وهي العلاقات التي بدأت في العودة بقوة عقب 30 يونيو (حزيران) 2013 بعد مدة انقطاع منذ يناير (كانون الثاني) 2011 خلال حكم المجلس العسكري والرئيس الأسبق محمد مرسي.
ومع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، من المنتظر أن يكون التقارب أكثر عمقًا بين الجانبين «المصري والإسرائيلي»، ومن المعروف أن موقف ترامب من القضية الفلسطينية متشدد للجانب الإسرائيلي ووعد عبر حملته الانتخابية بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إليها. العام الحالي 2016 شهد وبشكل صريح وواضح التقارب المصري الإسرائيلي عبر مظاهر عدة من بينها زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لتل أبيب مرتين .وتصريحات واضحة بين الجانبين المصري والإسرائيلي وانتهت رحلة 2016 في هذا الصدد، بالموقف المصري من مشروع قرار الاستيطان.
في أبريل (نيسان) الماضي أعلن رياض المالكي وزير الخارجية الفلسطيني، أن الجانب الفلسطيني يسعى للتوجه لمجلس الأمن لتقديم مشروع قرار حول الاستيطان الإسرائيلي، وعقدت اجتماعات عربية ودولية عدة من بينها اجتماع ما يعرف باللجنة الرباعية العربية (برئاسة مصر، وعضوية كل من الأردن وفلسطين والمغرب، فضلا عن الأمين العام للجامعة العربية) لصياغة الأمر، وطالبت الرباعية العربية في 19 ديسمبر (كانون الأول) الجاري بطرح مشروع لوقف الاستيطان على مجلس الأمن لتجديد الإجماع الدولي ضد النشاط الإسرائيلي في أراضي دولة فلسطين بما فيها القدس الشرقية، الاجتماع كان من ضمن حضوره وزير الخارجية المصري سامح شكري كرئيس له. ولأن مصر ممثل المجموعة العربية في مجلس الأمن فكان لزامًا عليها تقديم مشروع القرار الذي أعدته البعثة المصرية، وبالفعل تقدمت مصر في 21 ديسمبر (كانون الأول) الجاري بالمشروع الذي يدعو إسرائيل إلى »الوقف الفوري والتام لكل أنشطة الاستيطان باعتبار ذلك مخالفًا للقانون الدولي ويمثل انتهاكًا له«.
واستطاعت مصر أن تجمع تأييد عدد من الدول غير الدائمة في مجلس الأمن من بينها نيوزيلندا وماليزيا وفنزويلا والسنغال وتبنت تلك الدول المشروع مع الجانب المصري. وفي 22 من الشهر نفسه أي بعد يوم واحد أعلنت مصر رغبتها في تأجيل طرح المشروع على مجلس الأمن ولتعلن وبشكل رسمي في 23 ديسمبر (كانون الأول) موافقتها على تأجيل التصويت على المشروع بعد اتصال تلقاه الجانب المصري من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، وذلك بعد أن صدرت تسريبات عن نية إدارة أوباما في الامتناع عن استخدام حق «الفيتو» ضد تمرير المشروع، مما دفع إسرائيل للتواصل مع الرئيس الأمريكي الجديد. القرار المصري الصادر دون استشارة الدول المتضامنة مع المشروع، دفع الدول التي سبق وتبنت المشروع مع مصر «نيوزيلندا وماليزيا وفنزويلا والسنغال» إلى اتخاذ قرار بتقديم المشروع نفسه لمجلس الأمن للتصويت عليه وصدرت مذكرة من تلك الدول اطلعت عليها «رويترز» قالت فيها: «في حال قررت مصر أنه لن يمكنها المضي فى الدعوة لإجراء تصويت في 23 ديسمبر (كانون الأول) الحالي أو إذا لم تقدم ردًا قبل انقضاء ذلك الموعد فإن هذه الوفود تحتفظ بالحق فى تقديم المشروع، والتحرك لإجراء تصويت عليه بأسرع ما يمكن». وبالفعل تقدمت الدول الأربعة بالمشروع وطرح للتصويت في 24 ديسمبر (كانون الثاني) ووافق عليه 14 عضوًا بما فيهم مصر، وامتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت، لتعلن تل أبيب عدم اعترافها بالقرار، ويضع النظام المصري نفسه من ثم في موضع النقد والسخرية مما أحدثه، في نظر البعض. وقرر مجلس الأمن الدولي اعتماد القرار رقم 2334 الذي كرر مطالبة إسرائيل بالتوقف الفوري على نحو كامل عن جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية. الموقف المصري من مشروع قرار الاستيطان ليس الأول في المحافل الدولية من نوعه، ففي سبتمبر (أيلول) 2015 صوتت مصر لصالح انضمام إسرائيل لعضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء، وكان هذا التصويت سابقة تاريخية في العلاقات المصرية الإسرائيلية، اعدتها إسرائيل إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا . السلام الدافئ خلال العام 2016 وعلى المستوى السياسي وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سبتمبر (أيلول) 2016 من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك نداء إلى الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي للتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، وقال السيسي إن هذا: »نداء عاجل للشعب الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية«هذا النداء لم يكن الأول للرئيس المصري ففي مايو (أيار) 2016 وجه السيسي نداء أيضا قال فيه: إن تحقيق سلام دائم بين الفلسطينيين وإسرائيل سيتيح إقامة «سلام أكثر دفئا»، وهذا المصطلح كان له رد فعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد سبق تلك الدعوات عودة أول سفير مصري في إسرائيل بعد غياب ثلاث سنوات ليكون السفير حازم خيرت وكان ذلك في يونيو (حزيران) 2015. كما أن السيسي منذ إعلان ترشحه وهو يصرح بإسرائيلية القدس الغربية، ويتحدث عن دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، إعلان وضع مؤيديه من التيارات اليسارية والقومية والإسلامية في مأزق تناقضها مع مبادئها الرئيسة تجاه القضية الفلسطينية، ولكنها لم تعارض بشكل معلن. عودة الدبلوماسية المصرية كان لزامًا أن ترد عليه إسرائيل ولكن بعد عشرة أشهر، بشكل دقيق في سبتمبر( أيلول) حين أُعلن عن عودة افتتاح السفارة الإسرائيلية في القاهرة بعد إغلاقها لأكثر من أربع سنوات بسبب الأوضاع الأمنية التي شهدتها البلاد، وبسبب الهجوم الذي شهدته السفارة واقتحام العشرات من المتظاهرين لمبناها بالجيزة في سبتمبر (أيلول)2011.
الحفاوة المصرية من أعلى مسؤول مصري كانت تقابل بإشادة من جانب نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أشاد بجهود الرئيس المصري في تحقيق السلام وفي سبتمبر (أيلول) من هذا العام أشاد نتنياهو بالسيسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي ديسمبر (كانون الأول) أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالسيسي وهاجم محمود عباس رئيس دولة فلسطين.
كيف يرى المفكرون الإسرائيليون والمصريون الأمر؟
المفكرون والخبراء في إسرائيل اختلفت تفسيراتهم في إسرائيل، فبالنسبة لأستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب المستشرق الإسرائيلي «آيال زيسر» فإن المنطقة تشهد حراكًا سياسيًا متلاحقًا لوضع ترتيبات إقليمية جديدة، وذلك بفضل الجهد المبذول من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمحاولة إحداث عملية سياسية هدفها التعاون والتواصل بين القيادة الفلسطينية والإسرائيلية. أما السفير الإسرائيلي السابق في مصر إسحاق ليفانوف فقد قال في تصريحات صحفية: «إن العديد من الإسرائيليين يثنون على التعاون القائم بين القاهرة وتل أبيب في كل من المجال العسكري والأمني»، ولكنه كشف عن رغبته في التطبيع الثقافي وليس الأمني فقط.  ومن الغريب بالنسبة للبعض رفض المفكرين المصريين الحديث عن الأمر ورفض التعليق على تعاون الرئيس السيسي مع إسرائيل، بل ومحاولة نفي ذلك جملة وتفصيلًا، للدرجة التي دعت الدكتور مصطفى الفقي خلال لقاء إعلامي على قناة مصرية أن يقول: »إن الإخوان وراء شائعة تحسن العلاقة بين مصر وإسرائيل في عهد السيسي، في حين أن العلاقات المصرية الإسرائيلية لم تتحسن إلا في عهد الإخوان، حيث إن الإخوان أول من تعاونوا مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية«.
«شكري».. مهندس التطبيع
يعد وزير الخارجية المصري سامح شكري ضلعًا رئيسا في عملية التقارب المصري الإسرائيلي ولاسيما في هذا العام وكانت له مواقف عديدة في هذا الأمر. في العاشر من يوليو (تموز) من العام الحالي انطلق سامح شكري وزير الخارجية المصري إلى القدس في زيارة تعد الأولى من نوعها لوزير خارجية مصري لإسرائيل بعد قطيعة منذ 2007. »شكري« الذي عرف عنه المواقف المرتبكة وغير الدبلوماسية في نظر البعض، بداية من إلقاء »مايك الجزيرة« ووصولًا إلى »قراءة البيانات بطريقة خاطئة«، استطاع أن يقوم بما عجز عنه العديد من وزراء الخارجية المصريين حتى في عهد مبارك. الزيارة المصرية حينها استطاعت إسرائيل تسويقها إعلاميًا بشكل كبير ليظهر الجانب المصري ممثلًا في شكري والجانب الإسرائيلي ممثلًا في بنيامين نتنياهو على هيئة الأصدقاء، وبرز ذلك من خلال دعوة نتنياهو للوزير المصري لمائدة العشاء والتُقطت لهم الصور خلال متابعة المباراة النهائية في بطولة أمم أوروبا لكرة القدم بين البرتغال وفرنسا، كما أن الدعوة كانت في مدينة القدس التي تسوق إسرائيل لاعتبارها عاصمتها في حين ترفض القيادة المصرية منذ عهد السادات الموافقة على ذلك، كانت لها دلالة كبيرة، وكانت معظم الزيارات المصرية الرسمية في السابق تحدث في تل ابيب فقط وليس القدس.
سامح شكري في تل أبيب
لم تكد زيارة شكري للقدس أن تنتهي وبعد شهر واحد فقط، وخلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري باوائل المدارس الثانوية المصرية تحفظ على وصف إسرائيل بـ«الإرهابية» مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي لم يتفق على تعريف كلمة الإرهاب. ولأنه مثار الجدل الرئيس ورجل التطبيع المصري الإسرائيلي في نظر الكثيرين فكان خير ممثل للنظام المصري في جنازة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وظهرت مقاطع فيديو تظهر تأثر شكري في الجنازة، واعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير أحمد أبو زيد، أن مشاركة »شكري« في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز تعد إجراء طبيعيًا بروتوكوليًا دبلوماسيًا، وفقًا لتصريحات صحفية له.
التعاون الأمني
يعد كل من الجانب المصري والإسرائيلي حركة المقاومة الإسلامية حماس حركة إرهابية ولا يجد الرئيس المصري أي حرج في إعلان سعيه للتقارب مع إسرائيل، فقد خرج لأكثر من مرة ليقول في العلن عن التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي فيما يخص شبه جزيرة سيناء التي تنتشر فيها عناصر مسلحة تداهم القوات الأمنية المصرية وتبايع تنظيم الدولة في العراق والشام (داعش)، وتسمي نفسها »ولاية سيناء« وتنشط تلك المجموعات في شمال سيناء واستفادت مصر من وجودهم في الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على الدفع بالأسلحة الثقيلة والمدرعات للمنطقة، مع وجود تنسق كامل لتحليق الاباتشي وطائرات الـ إف 16، وذلك على العكس من نصوص الاتفاقيات الموقعة بين مصر وإسرائيل.التعامل الأمني حاولت مصر أن تبقيه سرًا، فقط بعض التصريحات عن التعاون وتنظيم تبادل المعلومات، حتى كشف عن ذلك التعاون الطرف الإسرائيلي وكان ذلك على لسان وزير الطاقة الإسرائيلي «يوفال شتاينتس» والذي كشف في تصريحات صحفية في فبراير (شباط) 2016، عن أن عملية إغراق مصر لانفاق قطاع غزة جاء بناء على طلب من تل أبيب، ونُقل عن الوزير قوله :«التنسيق الأمني مع مصر أفضل من أي وقت مضى». هذه التصريحات على ما يبدو أحرجت السيسي، مما دفع دوائر عسكرية في إسرائيل للتعبير عن غضبها بسبب تصريحات الوزير. وكانت مصر قد بدأت في اواخر عام 2014، في إنشاء منطقة عازلة بينها وبين قطاع غزة وهدمت مئات الانفاق بين غزة وسيناء تقول مصر أنها كانت تستخدم لتهريب الأسلحة. وفي مارس (آذار) 2016 نقل موقع «ويللا» الإخباري عن نير ياهاف، وهو خبير إسرائيلي في الشؤون العربية بأن التنسيق الأمني في عهد عبدالفتاح السيسي بين إسرائيل ومصر قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة واصفًا إياه بـ«شهر العسل» بين الطرفين، وحتى الرئيس المصري نفسه اعترف وقال في سبتمبر (أيلول) 2016 «إن الحكومة المصرية تقوم بالتنسيق مع إسرائيل في مجال مكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن العلاقة مع إسرائيل تخطت مرحلة التشكك في الأمن والأمان وأصبحت في سلام دائم».وقالت صحيفة جيروزليم بوست الإسرائيلية، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أشاد بمستوى التعاون المصري الإسرائيلي في اجتماع مغلق مع زعماء يهود في نيويورك حيث يتواجد لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2016.



This post has been seen 16 times.