الآن
يوسف لا يعرف الحب.. قراءة في رواية الكاتب واثق الجلبي

يوسف لا يعرف الحب.. قراءة في رواية الكاتب واثق الجلبي

قراءة 
امين قاسم الموسوي

 (يوسف لا يعرف الحب) تلك هي ثريا رواية الكاتب واثق الجلبي التي تقع في 75 صفحة وعدد الصفحات هذا يثير تساؤلا أمام  القارئ في تجنيس هذا العمل أرواية هذه ام قصة طويلة انه سؤال يثار ولكنه يلغي نفسه بنفسه بمقدار ما في المنتج الأدبي من ابداع انطلاقا من فلسفة شليجل القائلة :((ان تقسيم الأدب إلى أجناس نوع من التحكم لا يمكن قط أن يخضع له التأليف الأدبي))  وما السطور الاتية إلا محاولة لجس وتلمس ما أراد أن يقول الكاتب في عمله هذا وما دلالة ذلك القول فيوسف هو الشخصية الرئيسة  و عليه يدور محور العمل الأدبي هو شخصية مأزومة وأزمته أنه مستقيم يعيش في مجتمع يأبى الاستقامة أنه محب هائم بـ (سماء) وهو يفهم الحب فهما إنسانيا عميقا منزها عن الجنس  والكاتب يوفق في التفريق بين الحب والجنس ((الجنس لعبة اما الحب فامة كاملة من المشاعر الحاكمة كالروح يبقى مخفيا مستترا يعيش لولا العواصف ))ص47, ولذلك فهو حين ينفرد بـ (سماء)لا يصدر منه فعل جنسي يمارسه معها ((كان يجلس معها ولايرى يديه فيتحول إلى عينين فقط من كل الزوايا رآها ,ومن جميع الخفايا ,فهل رآها لساعات طويلة  في صمت لا يعرفه الا الله .))ص30,فالعلاقة بين يوسف وسماء علاقة  فيها ما فيها من تهويمات صوفية ورمز صوفي يذوب فيه هذان العاشقان الهائمان حبا  ((وقاما بالصلاة بلا قميص سقط ولا تنورة خلعت فلا مجال للجنس إذا حضر الحب ))ص31, ويوسف(( لم يلجأ إلى كتب التفسير لتقدم له ما معنى ان ينبض قلبه بها..))ص 51هذا هو الحب الحقيقي , انه في سويداء القلب  ولايحتاج تفسيرا , لان المفسر خارج تلك السويداء ,ولذا فهو لا يدرك كنه داخلها وحقيقة أمرها ,لأنه خارجي , على منوال هذه الفكرة ينسج الكاتب روايته ولكن القارئ يندهش حين تطالعه الرواية بما يتناقض مع قدسية الحب التي طرقها الكاتب مبتعدا عن الجنس ,يندهش امام قوله ((وهما على السرير قالت له احبك ..رد وراسه بين فخذيها :انا الان اخبرك بالمزيد .قالت :الحب جنس  بالنسبة لك؟ رفع ساقها اليسرى, وقال: اكيد …لا ))فهذا الحوار المكثف يوحي و كأننا  في حضرة رواية إيروسية يتسيد الجنس كل ما فيها , لغة واحداثا وبناء , ان الرواية تصرخ في وجوهنا : الحب ليس جنسا , والكاتب يطرح هذه الثيمة بنجاح حين يميز بين الحب والجنس في حواره مع زير النساء سعد وحواره مع رامي, هاتين الشخصيتين اللتين لا تريان المرأة إلا وعاء تفرغ فيه لذائذ الجنس العابرة, لذلك لم يكن تصرف يوسف منسجما مع بناء شخصيته حين يخبرنا بأنه ((لحظة واحدة بلا روية منه ادخل جيب قميصه في سماء ثدييها))ص 26,فهذا التصرف يتناقض تماما مع ما يحمل يوسف من فكر عن الحب وقداسته. أما القميص قميص يوسف فهو رمز مستمد من قصة يوسف التي أوردها القرآن الكريم لتكون درسا تربويا ويوسف القرآني عليه السلام عشقته زليخا وهامت به حبا وهو أحبها ولذلك في لحظة اشتعال العاطفة همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وفي التفاسير :((هم بالفعل يهم هما قصده واتجهت نيته إليه ولم يفعله))* ويوسف الرواية كيوسف القران كل منهما يفهم الحب مقدسا طاهرا , لا يدنسه جنس محرم , وقميص يوسف القرآني  ما هو الا دليل على الطهر والبراءة, فما مقدار التوفيق بين القميصين عند اليوسفين ؟علينا ان نعلم ان يوسف الرواية  يمتلك قميصين  قميصا داكنا وقميصا ابيض ربما أراد الكاتب بالقميص الداكن رمزا للواقع السوداوي الذي لم يحقق ليوسف حلما من أحلامه , أما القميص الأبيض فربما أراد به عالم المثال الذي يحلم به , ((كان عليه قميصان  ,الذي يرتديه دائما يشده للجسد وحركاته المبنية على ايقاع الشهوة واستباحة المكان ..أما القميص الثاني فهو أبيض اللون معلق في الحائط بلا عيون))ص50,ورمز القميص في الرواية فيه ما فيه من الغرابة التي تكون سببا لشد القارئ إلى تفكيك معنى الرمز,فهو قميص يكتب ((بدا قميصه بالكتابة))ص10، وهو قميص له ركن , وهو قميص يستهزئ بصاحبه: (انزوى في ركن قميصه المتثائب وأراد أن يفعل شيئا لكنه لم يتمكن الا من البكاء والقميص ماثل أمامه يستهزئ به ))ص  49، ووجود القميص رمزا للواقع ورمزا للمثال يربك احيانا القارئ في معرفة أي القميصين أراد الكاتب  فهو حين يقول :((هو لا يؤمن بالأحلام, كل ما يشغله معرفة  اسرار القميص الذي اعماه))فهذا الكلام  مربك للقارئ في تشخيص أي من القميصين  هو المقصود , وإن كان في التعبير ما يرشح قميص الواقع، ويوسف شخصية سلبية, صحيح جدا انه ضحية ظروف تحيط به لتدمر كل ما يريد , ولكنه لم يتحرك لتغيير تلك الظروف , وبقي يوسف على امتداد الرواية زمانا و مكانا لا يمتلك غير أن يبوح بآلامه واحزانه ناقما على الواقع الذي يمزق به بعض ما تجود به ثقافتنا المعاصرة كالحداثة وما بعد الحداثة اما بعد الحداثة  فكذبة أخرى..))ص42 ,وهو شخصية يغلف حياتها الحزن الشديد  الذي ينفس عنه من خلال قميصه بالكتابة ,والكتابة  فعل للتفسير , لا للتغيير  :(( افرط يوسف في الحزن كإفراط قميصه بالكتابة))ص47, فهو يقترح على سماء ان يذهبا الى المحكمة ليعقد عليها رسميا معلنا زواجه منها, يطلب ذلك ,وهو بلا عمل ولا سكن , وقد كانت  سماء اكثر واقعية منه لأنها وصفت فعلا كهذا بالجنون ((مجنون انت تعرف اني لا افعل هذا))  ص16, وواقعية  سماء ونضج مواقفها تتجسد بأفعالها, خصوصا فعلها الحاسم بقرارها في أن تترك يوسف وتتزوج ثم تسافر مع زوجها  إلى أستراليا لتكون أسرة يحكمها تصرف الإنسان بما يكيفه  مع الواقع بعقلانية ليس للعاطفة الدور الحاسم فيها , فهي قد حسمت أمرها وكونت أسرة ,رغم عاطفتها تجاه يوسف, ورغم معاناتها , خصوصا في اول ايام زواجها ,لأن الواقع كفيل بإزالة شبح الحب الاول , ليحل محله الحب الواقعي , وقد عالج احسان عبد القدوس هذه الحقيقة النفسية في روايته ((الوسادة الخالية )) التي تحولت إلى فيلم سينمائي ولذلك بدا الفلم بالعبارة نفسها التي وضعها احسان عبد القدوس في بداية روايته (في حياة كل منا وهم كبير يسمى الحب الاول ), وقد نلوم الكاتب واثق الجلبي حينما يصف سماء بانها :(ارادت ان تعرف السبب الحقيقي الذي جعل يوسف يتركها )ص59.
فشخصية سماء من خلال الرواية كلها شخصية تعرف سبب عدم تحقيق حلمها , الا وهو الواقع المحيط بيوسف , وعدم أهليته للزواج, ولذلك رفضت ذهابهما إلى المحكمة لعقد الزواج.
اما لغة الرواية فقد جاءت معبرة عن شخصيتها الرئيسية (يوسف) الذي لم يجد تبريرا منطقيا يفسر له قسوة واقعه عليه , لذلك لا نعجب اذا ما  وجدنا غرابة في لغة الرواية يسودها الغموض بل  الابهام ,لأن ذلك إنما يعبر  عن رد فعل غير منطقي لمواجهة واقع لا منطق فيه:((أراد أن يجد المنطق  ليتسامرا معا , لكن موائد الذوبان رفضت حضور الاجتماع  الذي لم يعقد) ص6 ففي تركيب الجمل غموض قصده الكاتب كما اعتقد- ومجاز غريب يجسده قوله ((موائد الذوبان ))والقارئ لا يعدم أمثلة كثيرة على صفحات الرواية تدور في فلك هذا الغموض وذلك الابهام ,ونجد تبرير ذلك  في قوله (( الناس من حوله يدورون  بلا بواصل أو بوصلات او باصلات او بصل, فالجمع عنده يأتي طواعية  حتى انه صار يجمع القياس على غير قياس ))ص51, فمن حق الكاتب ان يلجأ الى هذه  الغرابة  وذلك الابهام ليعبر عن واقع غير منطقي  ولكن الايغال فيهما الغموض والابهام قد يفقد العمل الكثير من جمهوره وابداع بلا جمهور سمك بلا ماء  وقد نجد بعض الألفاظ المعجمية  الغريبة والبعيدة عن الاستعمال المعاصر , مثل (نجيع) وهو الدم و (برديه ) والمقصود ثوبيه , أن الرواية هي ملحمة العصر كما يرى جورج لوكاش ,ولذلك عليها ان تكون ناطقة بلسان عصرها واهله  لتكتسب الخلود شاهدا على الزمن  الذي كتبت فيه , (يوسف لا يعرف الحب ), عمل جدير بالقراءة لانه يستفز مشاعرنا وأفكارنا , قلوبنا وعقولنا, لنكون مع يوسف الذي يقدس الحب ويعرفه حق المعرفة ولكن قميص الواقع لا يمنحه  فرصة لتحقيق احلامه و لذلك ما علينا الا ان نقول ونفعل: ليكن كل شيء من اجل الانسان الحقيقي الذي يقدس الحب تقديسا لا تشوبه النزوات العابرة .

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*