الآن
هدف الدخول في حرب مع إيران.. هل يكرر ترامب أكاذيب بوش

هدف الدخول في حرب مع إيران.. هل يكرر ترامب أكاذيب بوش

مهدي حسن

بعد إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق النووي الإيراني، وتصاعد الادعاءات بوجود تحالف بين إيران وتنظيم القاعدة، هل الشرق الأوسط بصدد حرب جديدة كحرب العراق 2003؟ يجب ان نستحضر الأجواء قبل 10 سنوات ونصف، وهي الفترة التي سبقت غزو العراق، إن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن لم تبتدع مجرد صور مخيفة لغيمات القنابل النووية فحسب؛ بل أيضًا ادعت زورًا تآمر صدام مع أسامة بن لادن لمهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية أن الرئيس بوش الابن نفسه كان قد أعلن أن صدام حسين «يساعد ويحمي الإرهابيين بما في ذلك أعضاء من تنظيم القاعدة».

في حين وصف «دونالد رامسفيلد» وزير الدفاع حينها العلاقة بين العراق والقاعدة بأنها «دقيقة وليست قابلة للنقاش» بيد أن أيًّا من تلك الادعاءات لم تكن صحيحة؛ لكنها بطبيعة الحال ساعدت في غزل قضية الحرب ضد العراق.أن السبب وراء ظهور كذبة مشابهة على الساحة الآن، ربما يكون هو نفسه في حالة العراق سابقًا إلا أن الهدف هذه المرة ليس العراق وإنما جارته إيران.
تمهيد طريق الحرب
في تشرين الأول الماضي، ألقى ترامب بيانًا ألغى فيه الاتفاق النووي الإيراني، إذ ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن طهران «تقدم المساعدة لتنظيم القاعدة»، وفي الأسبوع التالي، تمادى رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «مايك بومبيو» إلى أبعد من ذلك، واصفًا العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة بـ«السر المفضوح»، وأكد «بومبيو» في ندوة الأمن القومي التي استضافتها «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» وجود علاقة تعاون بين إيران والقاعدة، قائلًا: «هناك أوقات عديدة عمل فيها الإيرانيون جنبًا إلى جنب مع القاعدة».في الأول من تشرين الثاني الجاري، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية دفعة جديدة تضم ما يقرب من 470 ألف ملف حصلت عليها في الغارة التي شنتها القوات الأمريكية على مجمع أسامة بن لادن في باكستان، لكن الوكالة لم تطلق الوثائق للجمهور فحسب؛ بل قدمت مقدمًا نسخًا لموقع صحيفة المؤسسة على الإنترنت «لونج وار جورنال». ومن جانبها قالت الاستخبارات المركزية الأمريكية إن توزيع الوثائق السرية المحظورة إلى وسائل الإعلام والمنظمات الأكاديمية يعد إحدى الممارسات الشائعة في نشر الوثائق السرية، إذا كان هدفها الوحيد «تعزيز فهم الجمهور» لتنظيم القاعدة.نشرت مجلة «لونج وار جورنال» وثيقة مؤلفة من 19 صفحة مملوكة لأحد مسؤولي تنظيم القاعدة، والذي لم يتم الكشف عن اسمه، حول عرض الحكومة الإيرانية على «الأخوة السعوديين» في تنظيم القاعدة بتقديم «كل ما يحتاجونه»، بما في ذلك المال والسلاح والتدريبات في مخيمات حزب الله بلبنان، وذلك «مقابل ضرب المصالح الأمريكية في المملكة العربية السعودية والخليج»، إلا أنه باعتراف المسؤول في حزب الله، لم تقبل القاعدة عرض إيران، ذلك إن كانت إيران قدمت هذا العرض واقعيًّا.أن توقيت ادعاءات الرئيس ترامب الأخيرة وكذلك تصريحات رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يكاد يكون من قبيل الصدفة لا سيما مع زيادة حدة التوترات في الشرق الأوسط، ودفع حلفاء أمريكا الرئيسين في المنطقة، وهما السعودية واسرائيل، بشدة أكثر من المعتاد لمواجهة إيران. ويضيف أنه بعد ذهاب إدارة الرئيس أوباما، فقد وجدت كل من السعودية وإسرائيل رفيقًا في البيت الأبيض يشاركهما نفس التوجه.إن الرئيس ترامب نجح في تعيين صقور في إدارته تعتقد أن الطريق إلى حل مشكلات الشرق الأوسط يمر عبر إيران فقد اتهمت «نيكي هايلي»، سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، إيران بمحاولة «أسر العالم كله رهينة سلوكها السيء»، كما وصف «جيمس ماتيس»، وزير الدفاع الأمريكي، التهديدات الثلاثة الكبرى للأمن القومي الأمريكي بأنها على التوالي: «إيران، وإيران، وإيران».إن أحد المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية، والذي عمل تحت «ريكس تيلرسون» وزير الخارجية الذي عينه ترامب، إن إدارة الرئيس ترامب «مهووسة» بإيران على نفس منوال هوس إدارة الرئيس الأسبق ريجان بالاتحاد السوفيتي. وأضاف المسؤول السابق أن داخل الحكومة «يشار إلى إيران وداعش والقاعدة معًا، باعتبارهم على نفس الدرجة من الخطورة والتهديد».
هل يخوض الأمريكان حربًا جديدة؟
لكن الأمريكيين في المقابل ليسوا متحمسين لخوض حرب جديدة، إذ تعتقد الأغلبية من الأمريكيين أن البلاد ربما تكون أفضل حالًا إذا استمرت في الاتفاق النووي مع إيران؛ لذا السؤال المطروح هنا: من أين لإدارة ترامب بناء قضية تمهد هجومًا استباقيًّا ووقائيًّا؟ ربما تساعد الادعاءات بوجود تحالف مشين بين إيران وتنظيم القاعدة. لطالما أشار الحشد لـ«القنبلة الإيرانية» إلى وجود مسؤولين كبار في تنظيم القاعدة داخل إيران، ومنهم أفراد من عائلة ابن لادن نفسه متواجدون داخل إيران منذ عام 2001.إيران أبعد ما تكون عن كونها قاعدة أو مركز قيادة لتنظيم القاعدة بأنه في عام 2001، وبعد عبور المئات من مقاتلي تنظيم القاعدة إلى داخل إيران هربًا من أفغانستان حيث الغارات الأمريكية الجوية، رحّلت إيران أغلبهم  إلى بلدانهم الأصلية. وفي عام 2003، عرضت إيران مبادلة أعضاء تنظيم القاعدة الذين كانوا قيد الإقامة الجبرية مقابل العناصر المحتجزة لدى القوات الأمريكية في العراق التابعين لحركة «مجاهدي خلق»، وهي جماعة مسلحة تسعى لإطاحة الحكومة الإيرانية.وبالتالي أن العلاقة بين تنظيم القاعدة السلفي السني ورجال الدين الشيعي في إيران «ليست علاقة تحالف» بل «عدائية للغاية». وحسب ما جاء في تقرير أصدره «مركز مكافحة الإرهاب» التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية في «ويست بوينت» عام 2012، فإن العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة «تعتمد بشكل كبير على مفاوضات غير مباشرة وكريهة بشأن الإفراج عن الجهاديين المحتجزين وعائلاتهم، بما في ذلك أفراد عائلة أسامة بن لادن». إن إيران تحفظت على عناصر بارزة في تنظيم القاعدة ليس بهدف حمايتهم أو مساعدتهم؛ لكن بهدف استخدامهم للمساومة مع الولايات المتحدة، فضلًا عن استغلالهم كرادع ضد هجمات تنظيم القاعدة.عندما توجه إلى خبراء الإرهاب بسؤالهم حول مأخذهم تجاه العلاقات المزعومة بين إيران وتنظيم القاعدة، فإن جميعهم شككوا في وجود علاقة تحالف بينهما. على سبيل المثال يقول «جيسون بورك»، مؤلف أحد الكتب المشهورة حول تنظيم القاعدة: «لم أر قط أي دليل على وجود تعاون نشط» بين إيران وتنظيم القاعدة. وكذلك رفض «علي صوفان»، عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالية ومؤلف كتاب «تشريح الإرهاب»، تغطية الوثائق التي أطلقها مكتب الاستخبارات المركزية الأمريكية باعتبارها «إفراطًا في تبسيط الوقائع»، وأنها نتيجة «انضمام إدارة ترامب إلى حملة  السعودية المعادية لإيران».إن قليلين قد ينكرون تورط إيران في رعاية تنظيمات أدرجتها الولايات المتحدة الأمريكية في قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية» مثل حماس وحزب الله، لكن على حد قول الخبراء فإن تقديم الدعم لتنظيم القاعدة هو قضية مختلفة تمامًا. يصف «ويليام مكانتس»، مستشار سابق للحكومة الأمريكية حول التطرف ومؤلف كتاب صدر حديثًا حول تنظيم داعش، العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة بأنها «لم تعتمد مطلقًا على الحب بينهما».وختامًا  لم تحتو أي من الوثائق التي نشرتها مؤخرًا وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على دليل قاطع بتلك علاقة، ويطرح بعض الأسئلة الأساسية، على سبيل المثال، هل كان هناك تواصل بين قوات الأمن الإيرانية وأفراد القاعدة؟ وهل أبرموا صفقات معًا؟ قد يكون هناك بالفعل. وهل ما تزال شخصيات من تنظيم القاعدة تعيش في إيران؟ بالتأكيد. لكن هل يعني أي من ذلك وجود تحالف بين إيران والقاعدة لمناهضة أمريكا؟ لا.أن الرئيس ترامب يحذو حذو الرئيس الأسبق بوش الابن، فهو يدق طبول حرب أخرى في الشرق الأوسط، بيد أنه بحاجة ماسة إلى ذريعة لشن هجوم على دولة ذات سيادة، لا سيما وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت أن إيران تمتثل إلى شروط الاتفاق النووي. سقط الشعب الأمريكي في فخ ذرائع كاذبة حول العراق في عام 2003؛ لكنه لن يتحمل سقطة أخرى مثل السابقة، لم يتحالف صدام حسين مع القاعدة، وعلى الرغم من كل أخطاء الحكومة الإيرانية، إلا أنها لم تتحالف هي الأخرى مع تنظيم القاعدة.وكما قال الرئيس بوش الابن سابقًا: «إذا خدعتني مرة، عار عليك؛ وإذا خدعتني ثانية، فعار عليّ»، ويتساءل الكاتب: هل ينخدع الشعب الأمريكي ويجر إلى حرب جديدة ربما تعتمد على ذرائع كاذبة؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*