الآن
من أروقة المحاكم العراقية.. حقائق عن الفساد

من أروقة المحاكم العراقية.. حقائق عن الفساد

إياس حسام الساموك

فيما يحاول سياسيون جرّ المواطنين إلى متاهات بالحديث عن موضوع الفساد وصوره في العراق، اصبح الرأي العام مشوشاً ولا يعرف ما هي اسالبيه، وأين يكمن؟ وكيف انفقت موازنات انفجارية على مشاريع لم تأت بنتائج ايجابية على أرض الواقع؟.
فذاك يتحدث عن الفساد السياسي، والآخر يربطه بأجندة اقليمية، والثالث يراهن على وجود مافيات خفيّة تسرق قوت الشعب، ولم تضع أي جهة يدها على العلّة الاساسية.
للفساد في العراق أوجه عديدة، لكن معالجته تتطلب مواجهة الصورة الابرز له ومعرفة كيفية التعامل معها والإجراءات الكفيلة بمحاسبة المتورطين بملفات هدر المال العام.
لعل القضاة، هم ابرز من واجهوا الرأي العام بموضوع الفساد وتحدثوا بصراحة عن اماكن نشأته وانتشاره.
ان الصورة الابرز والأوسع للفساد في العراق، تتضح في العقود الحكومية التي تبرمها مؤسسات الدولة ضمن اطار قانوني صحيح، لكن عليها عمولات نتيجة التعاقد على شراء بضائع وسلع بمئات اضعاف سعرها الحقيقي، هذه الزيادة توزع على المستفيدين من الصفقة وبحسب أهميتهم. 
ومن أبرز الامثلة هي اجهزة كشف المتفجرات التي اشتراها العراق بـ٤٠ مليون دينار للجهاز الواحد وثمنها الحقيقي لا يتخطى ١٥ دولاراً، علما ان المسؤولين هنا هم اعضاء في لجان التعاقد والاستلام والفحص حيث تباع عضوية هذه اللجان الى موظفين لقاء مبالغ عالية جدا.
ولا يمكن اكتشاف هذه الجريمة الا بأمرين:
– اجراءات احترازية للدوائر الرقابية كمكاتب المفتشين العموميين عبر التنسيق مع الدوائر القانونية للمؤسسات ومعرفة القيمة الحقيقية للاثمان.
– تقارير ديوان الرقابة المالية التي ترصد المخالفات.
في هاتين الحالتين لا يمكن اتخاذ عقوبات كبيرة، كون المقاول لا يمكن محاسبته فهو ابرم عقدا صحيحا، فيما تقتصر المحاسبة على الموظفين عن جريمة هدر المال العالم وعقوبتها قد لا تتخطى الحبس لمدة سنة.
لكن العقوبة تزداد مع وجود مخبر عن الجريمة وبالعادة هو احد طرفي التعاقد وهذا يجعل التكييف القانوني للواقعة على أنها رشوة وهي جريمة قليلة الاكتشاف؛ لأن الطرفين ارتضيا بالعقد فهما بالعادة من حزب الوزير او المسؤول عن المؤسسة وكلاهما ينتفع  من الاخر.
ولتقليل خطورة العقود الحكومية وبغية عدم استخدامها كوسيلة لسرقة المال العام، نرى ضرورة أن تتولى وزارة التخطيط وضع كلف تخمينية للمواد الرئيسة التي تحتاجها مؤسسات الدولة بنحو عام يجري الالتزام بها من قبل لجان المشتريات.
والبعض يحمّل القضاة مسؤولية مواجهة الفساد، وهو أمر صحيح كون منصة المحاكم هي الكفيلة بإرجاع الاموال ومحاسبة الملوثة ايديهم بسرقة قوت الشعب.
لكن ينبغي الاجابة على سؤال مهم، متى يبدأ دور القضاء في جرائم الفساد؟، وهل المحاكم من المؤسسات الوقائية التي تلاحق الجريمة قبل وقوعها؟
ان القضاء لا يتحرك من تلقاء نفسه إلا بوجود دعوى معروضة أمامه سواء بناء على مخبر طبيعي وهو من عرض عليه الرشوة أو علم بوقوعها، أو شكوى تحركها المؤسسة التي تتعرض إلى انتهاك مالي وتوصلت إليها عبر تحقيقاتها الادارية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
متى ما دخلت الدعوى في سجل المحكمة حينها نستطيع القول بأنها اصبحت من مسؤولية القضاء، وقبل ذلك ليس من المنطقي مساءلته عن وقائع تثير حولها شبهات فساد لا تعلم بها المحاكم.
نعتقد أن لمواجهة الفساد ينبغي تحقق أمرين رئيسين، هما تثقيف المواطن بضرورة الاخبار عن الجريمة، وكذلك توفر ارادة لدى مؤسسات الدولة في تقديم من يثبت لها أنه تسبب بهدر المال العام إلى القضاء وعدم تسوية الامر لدى غرفة المسؤول لقاء هدايا عينية أو مالية!.



This post has been seen 2 times.