الآن
ملف الإغتيالات السياسية

ملف الإغتيالات السياسية

سعيد الشهابي 
فتحت حادثة اغتيال السفير الروسي في العاصمة التركية  ملف الاغتيالات السياسية في العقود الاخيرة ، لتكشف مسلسلا من الحوادث المماثلة التي تختلط فيها الدوافع الاجرامية بالسياسية بشكل يصعب تفكيكه . كما تفتح السجال حول جدوى الاغتيال السياسي عموما و ما اذا كان سلاحا فاعلا يسهم في تحقيق الاهداف المرجوة منه . و يدفع ايضا للتساؤل عما اذا كانت هناك وسائل اخرى فاعلة للتغيير السياسي المنشود 
و من خلال متابعة نضالات الشعوب يمكن ملاحظة حقيقة تقول بان التغييرات الكبيرة لم تتحقق الا في حالات الانقلاب السياسي او الثورة الشعبية الشاملة او الحرب التي تشارك فيها جيوش متحالفة عديدة. اما الاغتيال فهو بشكل عام محدود التأثير و الجدوى ، و أقصى ما يحققه احداث تغييرات طفيفة على سياسات الدول لا تلامس جوهرها . و لكي يتضح هذا الزعم ، يمكن استقراء عدد من هذه الاغتيالات التي هز بعضها العالم بسبب اهميتها . بعد الحرب العالمية الثانية حدث اول اغتيال سياسي كبير بمدلول سياسي يتجاوز حدود البلد الذي وقع فيه . ففي العام 1948 اغتيل الزعيم الهندي المناضل ، المهاتما غاندي في ذروة الصراع الطائفي بين الهندوس و المسلمين . حدثت الجريمة احتجاجا على سياسته الداعية لاحترام حقوق الاقلية المسلمة في الهند . جاء رد المتطرفين الهندوس باغتيال الزعيم التاريخي على يدي احد المتعصبين اطلق ثلاث رصاصات اردت غاندي صريعا . أدى ذلك الاغتيال لازمة سياسية في الهند التي كانت حديثة الاستقلال عن بريطانيا . و قد كان ذلك الاستقلال ضربة موجعة للامبراطورية البريطانية التي كانت الهند تمثل تاجها . و سادت العالم حالة من الحزن و الاستنكار لخسارة ذلك الرمز التاريخي المتميز . و قد القي القبض على القاتل الذي عرفت على الفور دوافعه و دور التعصب الهندوسي في تلك الجريمة . ثم جاءت جريمة اغتيال سياسي اخرى لم يتم تفكيك لغزها حتى اليوم . ففي 18 سبتمبر (ايلول) 1961 كان داغ همرشولد، الامين العام للامم المتحدة ، متوجهاً إلى روديسيا الشمالية التي تعرف حالياً بزامبيا عندما سقطت الطائرة التي كانت تقله في غابة على بعد تسعة أميال من مطار ندولا . ذهب همرشولد للتفاوض مع مويس تشومبي ، قائد مقاطعة كاتانغا الانفصالية في جمهورية الكونغو  حديثة الاستقلال. و قد عارض همرشولد فكرة انفصال كاتانغا عن الكونغو ، إلى حد أن قوات الأمم المتحدة قاتلت المرتزقة الذين كانوا يقاتلون في كاتانغا على بعد 100 ميل من المطار الذي كان ينوي الأمين العام أن يحطّ فيه . و بعد مرور اكثر من نصف قرن ما زال الغموض يلف تلك الجريمة التي هزت العالم. و ما يزال الباحثون و المؤرخون يقلبون الوثائق التاريخية لعلهم يجدون فيها ما يشير إلى الفاعلين و هويتهم او انتمائهم . و هذا يعني ان التدبير قامت به جهة دولية تمتلك تقنيات متطورة حالت بدون الكشف عن هويتها . مرة اخرى يؤدي الاغتيال لحالة من التوتر غير مسبوقة و تنذر باحتقان دولي يعيد إلى الاذهان اجواء الحرب العالمية المدمرة . بعد ذلك بعامين حدث اغتيال ثالث ذو اهمية سياسية كبرى . ففي 22 نوفمبر / تشرين الثاني 1963 أغتيل الرئيس جون كنيدي ، الرئيس الخامس و الثلاثون للولايات المتحدة بمدينة دالاس ، تكساس . فبينما كان موكب الرئيس يتحرك بسرعة منخفضة في وسط المدينة تم استهداف الرئيس بطلقات نارية قاتلة . و جون كنيدي هو رابع رئيس للولايات المتحدة يكون ضحية لجريمة قتل . و بعد مرور اكثر من نصف قرن ما يزال لغز الاغتيال غامضا. و ما زاد الجريمة غموضا ان الشخص المتهم بالقتل ، لي هارفي اوزوالد ، قتل بعد يومين من عملية الاغتيال ، و بذلك انقطعت خيوط التحقيق للتعرف على مخططي العملية و اهدافها. و ما تزال النظريات تطرح حتى اليوم حول ذلك الاغتيال الذي حدث في ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الامريكية و الاتحاد السوفياتي . و قد جاء اغتيال كنيدي بعد عامين من الازمة التي كادت تتحول إلى حرب عالمية . فقد نصب الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية على الاراضي الكوبية، الامر الذي كاد يفجر اول حرب نووية مدمرة . ذلك الاغتيال لم يؤثر على السياسة الخارجية الامريكية التي بقيت مشغولة بقضايا الحرب الباردة و الاستقطاب الذي هيمن على العالم قرابة نصف قرن . و شهدت حقبة الستينات عددا من عمليات الاغتيال في الولايات المتحدة من اهمها قتل مارتن لوثر كنغ ، الذي كان مناهضا للعنصرية ضد السود في امريكا. و بعده اغتيل مالكوم اكس المفكر المسلم الذي كان ناشطا في مجال الصراع ضد العنصرية . صعدت «اسرائيل» في السبعينات اغتيال معارضيها من الفلسطينيين بعد ان بدأ انتشار وعي شعبي بالقضية الفلسطينية في الاوساط الغربية. و من هؤلاء غسان كنفاني (بيروت 1972)، وائل زعيتر (اكتوبر 1972، روما)، محمد همشري (8 ديسمبر 1972، باريس)، حسين البشير (24 يناير 1973)، باسل الكبيسي (6 ابريل 1973، باريس) . و في 9 ابريل 1973 قام عملاؤها بانزال سري في بيروت و اغتالوا كلا من محمد يوسف النجار و كمال عدوان و كمال ناصر . و استمر الاسرائيليون في جرائم الاغتيال في العقود اللاحقة. و في 1978 اغتالت المخابرات الاسرائيلية المناضل و المفكر الفلسطيني، سعيد حمامي ، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لندن . كان يومها جالسا بمكتبه فانهالت عليه رصاصات عملاء «اسرائيل». وفي1989 قام فريق من الموساد بانزال في تونس و اغتالت الزعيم الفلسطيني خليل الوزير (ابو جهاد) ، و في 1991 اغتال الصهاينة صلاح خلف (ابو أياد). و يتردد الآن انها وراء قتل ياسر عرفات بالسم في 2004. و اغتال الاسرائيليون فتحي الشقاقي في مالطا في 1995، و في 1996 اغتالوا يحيى عياش في غزة . و في 2004 اغتالوا عبد العزيز الرنتيسي في غزة ، و محمود المبحوح في يناير 2010، و احمد الجعبري في 2012. و اخيرا اغتالوا محمد الزواري في تونس في 15 ديسمبر . اما «اسرائيل» فقد ردت على محاولة اغتيال سفيرها في لندن ، شلومو ارجوف ، في يونيو 1982 باجتياح لبنان و طرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. و استهدفت «اسرائيل» رموز المقاومة الإسلامية اللبنانية ، فاغتالت الشيخ راغب حرب في فبراير 1984 و السيد عباس الموسوي ، الامين العام لحزب الله في فبراير 1992. و لم تقتصر عمليات الاغتيال في الشرق الاوسط على الجرائم المذكورة . ففي 25 مارس 1975 قام الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود بإطلاق النار على عمه فيصل بن عبد العزيز و هو يستقبل وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي في مكتبة بالديوان الملكي و أرداه قتيلًا ، و قد اخترقت إحدى الرصاصات الوريد فكانت السبب الرئيس لوفاته . و قد أعدم القاتل لاحقا . فما مغزى ذلك الاغتيال؟ لقد تميز عهد الملك فيصل بعدد من الامور : اولها تصاعد الانتاج النفطي السعودي و مدخولاته ، الامر الذي وفر له القدرة على بدء مشاريع تعنى بالبنية التحتية للبلاد و تمكينها عسكريا . و في عهده بنيت قاعدة خميس مشيط في جنوب غرب البلاد ، و هي واحدة من اكبر القواعد السعودية . الثاني : ان عهده تميز بالتنكيل الشنيع بالمعارضين ، و تردد ان اجهزة امنة قامت برمي المعارضين الشيوعيين من الطائرات في الربع الخالي . الثالث : انه اول من هدد باستخدام النفط سلاحا ضد الغرب بسبب دعمه لـ «اسرائيل»، و ذلك بعد حرب اكتوبر 1973. و في عهده بدأت السعودية تمارس دورا قياديا على الصعيد العربي ، بعد غياب جمال عبد الناصر في 1970 لاسيما بعد ان توفر لها مدخولات مالية كبيرة من تصدير النفط . و لكن مقتله فتح الباب امام مسلسل الاغتيال السياسي المرتبط بالاوضاع السياسية العربية. كما ان علاقات السعودية مع اليمن تحسنت طفيفا بعد حربهما الدموية المدمرة في 1962 بعد ان كان الصراع مع مصر في ذروته . هذا المسلسل من الاغتيالات في العالم ،  و بعضها في العالم العربي ، يشير إلى استخدام القتل خارج اطار القانون سلاحا في الصراع السياسي بين الفرقاء . و يعبر كذلك عن بلوغ التوتر درجات قصوى تدفع الاطراف لاستخدام اسلحة غير تقليلدية لتصفية الحسابات . و اغتيال السفير الروسي يجسد عمق الصراعات المتعددة الاطراف نتيجة الازمة السورية التي ارهقت الامتين العربية و الإسلامية . و مع انه ليس من المتوقع ان تؤثر سلبا على العلاقات المتنامية بين تركيا و روسيا ، و لكنها ستدفع موسكو لمزيد من الحضور في شؤون المنطقة بعد اكثر من ربع قرن من الغياب . الامر المؤكد ان الاغتيال يكشف حدود تأثير القوة العسكرية لدى الدول و المجموعات ، و يكشف قدرته على عرقلة السياسات و لكنه لا يستطيع تغييرها جوهريا و لا يلغي خطط الدول و المجموعات او اهدافها او سياساتها.



This post has been seen 12 times.