الآن
مفاجآت الإنتخابات البريطانية 2017

مفاجآت الإنتخابات البريطانية 2017

د. عبدالخالق حسين 
متابعة الانتخابات في الدول الغربية العريقة في الديمقراطية، أمر شيق وممتع، يقدم دروساً مفيدة للشعوب التي تبنت حديثاً هذا النظام الحضاري الإنساني التقدمي الذي هو أفضل أنواع الأنظمة في الحكم. ولكن ليس هناك شيء بلا ثمن، فالديمقراطية ليست سهلة، بل من أصعب الأنظمة لما يتطلب من حيطة وحذر، إذ كما قال السياسي البريطاني اليميني الراحل، إينوخ باول: «إن أغلب السياسيين ينتهون بالفشل». 
وهذا ما حصل للسيدة تريزا ماي، رئيسة الحكومة البريطانية، ولسلفها السيد ديفيد كاميرون. وسبب الفشل لهاتين الشخصيتين هو المجازفة بأخذ قرارات خطرة لا مبرر لها، على أمل تحقيق المزيد من المكاسب السياسية. ففي العام الماضي دُعي كاميرون إلى استفتاء الشعب البريطاني فيما إذا يريد البقاء أو الخروج من الوحدة الأوربية، 

ولم يكن ملزماً لإجراء هذا الاستفتاء إطلاقاً، إلا إنه أقدم على هذه الخطوة لإسكات بعض الأصوات في حزبه من الذين كانوا ضد انضمام بريطانيا للوحدة الأوربية، ولأسباب قومية شوفينية. وكان هو وحكومته وأغلب نواب الأحزاب المتنفذة والإعلام مع البقاء. لذلك فعندما دعي كامرون للاستفتاء كان واثقاً من فوز أنصار البقاء، لكن جاءت النتيجة صادمة للجميع ولو بفارق قليل(4%)، لصالح الخروج، ما أدى به إلى الاستقالة و اعتزال السياسة وهو مازال في أوج نشاطه، فتسلمت السيدة ماي قيادة الحزب والحكومة.ولكن كل أزمة تلد أزمة أخرى، فالسيدة ماي لم تتعلم من فشل سلفها، إذ أعادت الخطأ ذاته  ، وانتهت بالنتيجة ذاتها . فقد كررت الخطأ نفسه هذا العام عندما فاجأت الشعب البريطاني في 18 أبريل/نيسان الماضي بإجراء انتخابات مبكرة في يوم 8 حزيران الجاري، و قبل موعدها المقرر بثلاثة أعوام، وهي الأخرى لم تكن بحاجة إلى هذه الانتخابات، لأن حزبها الحاكم كان يتمتع بالأغلبية المطلقة المريحة نسبياً وبزيادة 6 مقاعد. إلا إنها انخدعت ببعض استطلاعات الرأي التي بالغت في شعبيتها، وتدني شعبية خصمها السيد جرمي كوربين، زعيم حزب العمال، فجعلت الفارق بينهما 21 نقطة في صالح السيدة ماي، الأمر الذي صور لها مساعدوها أنها إذا ما أجرت الانتخابات المبكرة، فإنها ستحقق فوزاً ساحقاً بزيادة مئة مقعد على الأقل، وخسارة ماحقة لغريمها كوربين. وبهذه الأغلبية يمكن أن تتفاوض مع الوحدة الأوربية بقوة وهي واقفة على أرضية صلبة، لتحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب لبريطانيا. ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، و» حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر»، إذ ظهرت النتائج صادمة، ومزلزلة، ومهينة لها ولحزبها وحكومتها، فبدلاً من أن تكسب مئة مقعد إضافي على ما كان عندها، خسرت  13 مقعداً، و رغم أنها حصلت على أغلبية المقاعد في البرلمان (318)، وأغلبية أصوات الناخبين (44%)، إلا إنها دون الأغلبية المطلقة التي هي 326 من مجموع 650.بينما حصل العكس لغريمها جرمي كوربين، زعيم حزب العمال، الذي زعمت نتائج استطلاع الرأي تردي شعبيته في الشعب البريطاني، وكذلك ما كان يواجهه من معارضة وتذمر من قبل نسبة كبيرة من نواب حزبه بسبب يساريته التي عدّها البعض متطرفة لا تلائم مزاج غالبية البريطانيين، وهو لم يكن كذلك، إلى حد أن علقت صحيفة الاندبندنت اللندنية، (أن كوربين ممكن أن يفوز إذا سمح له نواب حزبه بذلك)، وهي حقاً مفارقة. ولكن مما لا شك فيه أن كوربين كان يتمتع بشعبية واسعة لدى قواعد حزبه، وكذلك بين الشباب و لاسيما طلبة الجامعات، حيث وعد بإلغاء أجور الدراسة الباهظة التي بلغت 9 آلاف جنيه سنوياً. لذلك جاءت المفاجأة الأخرى في هذه الانتخابات، وهي أن الذين راهنوا على خسارة ماحقة لحزب العمال، فاجأهم كوربين بقيادة حكيمة لحملة انتخابية ناجحة، وبرنامج انتخابي (مانيفستو) ممتاز، ونتائج جيدة نسبياً فاقت توقعات خصومه، حيث فاز بـ(262) مقعدا، أي بزيادة 30 مقعداً إضافياً، ونال 40% من أصوات الناخبين، وهو رقم قياسي في الأصوات لحزب العمال منذ عام 1945.  لذلك، فالنجاح والفشل في هذه الحالة لا يقاسان فقط بما يحققه القائد من أعلى النتائج، بل لمن يحقق توقعات الناس. فرغم أن حزب المحافظين حصل على أعلى النتائج في عدد المقاعد (318)، والأصوات 44%، إلا إنه دون ما كان متوقعاً ومؤملاً بكثير، وحتى دون الأغلبية المطلقة (326)، لذلك تعدّ النتيجة خسارة كبرى ليس للحزب فحسب، بل وإهانة مذلة لشخصية زعيمته تريزا ماي، لأنها لم تستطع تشكيل الحكومة إلا بالتحالف مع حزب آخر يكون الأقرب لحزبها في المبادئ والمواقف السياسية. وهذا الحزب هو حزب الوحدويين الديمقراطي الايرلندي ( Democratic Unionist Party-DUP)، وهو حزب بروتستانتي يسعى لإبقاء شمال ايرلندة متحداً مع بريطانيا، والذي فاز بعشرة مقاعد. والجدير بالذكر أن هناك نوابا من حزب المحافظين ضد الاتفاق مع هذا الحزب لأنه محافظ أكثر من اللازم في القضايا الاجتماعية مثل الموقف من الإجهاض، وزواج المثليين. بينما حزب العمال رغم أنه هو الآخر لم يحقق الغالبية المطلقة لتشكيل الحكومة، إلا إنه حقق فوزاً كبيراً لأنه فاجأ الذين كانوا يراهنون على خسارة كبيرة له، فقد كسب 30 مقعداً زيادة على ما حققه الحزب في الانتخابات السابقة عام 2015 بزعامة إد مليباند. لذلك يعدّ هذا نصراً كبيراً للسيد كوربين، وهزيمة مذلة للسيدة ماي. 
أسباب فشل الجميع
هناك أسباب كثيرة أدت إلى عدم نجاح أي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة، الحالة التي تسمى بـ(البرلمان المعلق)، يعني لا يستطيع أي حزب تشكيل الحكومة لوحده. فبالنسبة للسيدة ماي أنها ركزت في حملتها الانتخابية على نقطتين فقط، على شخصيتها، وعلى الخروج من الوحدة الأوربية، وكأنه ليس للشعب البريطاني غير هاتين المشكلتين. إذ كانت دائماً تركز على شخصها، فتقول أن بريطانيا بحاجة إلى قيادة قوية لتتفاوض مع الوحدة الأوربية، والخروج بأفضل النتائج، وأنها هي تلك الشخصية القوية، وليس جرمي كوربين. كما اتبعت في حملتها أسلوبا سلبيا وهو تسقيط الخصم، شيطنة كوربين والإدعاء بأنه غير صالح لقيادة السلطة والبلاد…الخ، الأمر الذي ارتد عليها وأفاد خصمها.  بينما تركت المشاكل المهمة الأخرى التي يعاني منها الشعب البريطاني، مثل اتساع الفجوة بين الفقر والثراء، وتفشي البطالة و لاسيما بين الشباب، وبالأخص بين خريجي الجامعات، وكذلك الأجور الدراسية الباهظة التي فرضتها حكومة المحافظين في السنوات السابقة على طلبة الجامعات، فضلا عن مشاكل الخدمات الصحية والتعليم، والأهم، مشكلة الأمن، حيث حصلت ثلاثة أعمال إرهابية فظيعة في أقل من ثلاثة أشهر الأخيرة، اثنتان منها اثناء الحملة الانتخابية، فحمَّلها معارضوها مسؤولية كبرى في تعريض الشعب إلى الإرهاب، لأنها كانت قد فصلت نحو 20 ألف من ضباط الشرطة عندما كانت وزيرة للداخلية لتقلل من النفقات. كما تجنبت ماي المناظرات التلفزيونية وجهاً لوجه مع بقية قادة الأحزاب، فحسبت عليها نقطة ضعف. وكاعتراف بغلطتها، ففي أول لقاء لها مع نواب حزبها بعد الإنتخابات، اعتذرت لهم السيدة ماي وقالت: « أنا أدخلتكم في هذه الفوضى وأنا سأخرجكم منها».أما نجاح كوربين النسبي فهو لأنه قاد حملة انتخابية بنجاح فاق التوقعات إذ كان هادئاً ومرحاً ومريحاً ولطيفاً وسريع الرد المقنع على أسئلة الجمهور والإعلاميين، ومهما كانت استفزازية أو محرجة . كما أصدر برنامجا انتخابيا أعطى الأمل للجميع و لاسيما الشباب، وبالتالي غيَّر السياسة في بريطانيا.
تشكيل الحكومة
رغم عدم فوز حزبها بالأغلبية المطلقة إلا إن السيدة ماي هي وحدها المؤهلة لتشكيل حكومة الأقلية لأنها حصلت على الأغلبية النسبية من المقاعد أكثر من أي حزب آخر، و ما تحتاجه هو الاتفاق مع حزب صغير آخر بحيث يكون مجموع نواب الحزبين أكثر من 50%. وتحقق ذلك بالاتفاق مع حزب الوحدويين الديمقراطي (DUP) في ايرلندا الشمالية، الذي فاز بعشرة مقاعد، وبذلك يكون المجموع 328 من 650 العدد الكلي لنواب مجلس العموم.أما إدعاء زعيم حزب العمال بأنه هو المؤهل لتشكيل الحكومة وأنه مستعد للقيام بذلك، فهذا غير صحيح، لأنه حتى لو شكل ائتلافا ضم نواب جميع الأحزاب الصغيرة القريبه منه، فالمجموع هو دون الـ 51%. لذلك فحكومة كهذه غير قابلة للبقاء.
المستقبل
راهنت السيدة ماي على الانتخابات المبكرة غير المبررة، وخسرت الرهان، فبدلاً من أن تذهب إلى بروكسل للتفاوض مع الوحدة الأوربية وهي قوية، حصل العكس، فهي الآن ضعيفة، ورهينة قياديي حزبها، الذين فرضوا عليها مشاركتهم في صنع القرار، وإلا ستواجه المطالبة بالتنحي، لاسيما أن حزب المحافظين معروف بتاريخه في تبديل قياداته. فهناك تذمر داخل حزبها، وعلى سبيل المثال، وصفها جورج أزبورن، وزير الخزانة السابق الذي فصلته ماي عند توليها رئاسة الحكومة في العام الماضي، قال عنها انها امرأة تمشي وهي ميتة .الحل الآخر، هو ما يطالب به زعيم حزب العمال السيد كوربين، وهو إعادة الانتخابات هذا العام، أو في العام المقبل. إلا إن الشعب البريطاني ليست لديه الشهية لخوض انتخاب آخر في القريب العاجل، حيث مل من ضجيج الحملات الانتخابية، والذهاب إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال الثلاث سنوات الأخيرة.ولهذه الأسباب أعتقد أن السيدة ماي باقية في المنصب لا لأنها قوية ومحنكة بل لأنه لا أحد من قادة حزبها يرغب ليحل محلها وقيادة حكومة بهذا الضعف، وفي هذه الظروف الصعبة. كذلك مل الشعب البريطاني من الانتخابات في فترة قصيرة حسب رغبات السياسيين. ولكن مع ذلك، من الصعب جداً التكهن، فالأمور تسير بوتيرة متسارعة، والمستقبل حافل بالمفاجآت.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn