الآن

مشروع «حزام واحد .. طريق» ديون ومرافق مقفرة واستتباع صيني

*بروك لارمر

على الطريق السريعة الواسعة المتوزعة على أربعة خطوط ، والتي تفضي إلى خارج المدينة السريلانكية هانبانتوتا، بلغت حركة السير من الشح مبلغاً يجذب حيوانات برية مثل الفيلة أكثر مما يجذب السيارات وأصحابها . وذكاء الفيلة وأمثالها من الحيوانات لا يخفى، فهي تستخدم الطريق السريعة طريقاً مختصرة إلى الغابة ، لكن ذكاءها يقتصر على الخيار هذا. وما لا يسعها إدراكه هو أن هذه الطريق مهزلة: فهي حلقة من حلقات سلسلة «فيلة بيضاء اللون» (مشاريع لا ترتجى منها فائدة وصيانتها باهظة التكلفة ومن العسير التخلص منها)، منها مشاريع تهدر الأموال وتثقل على كاهل الحكومة السريلانكية بديون يتعذر سدادها. والمشاريع هذه من طرق ومرافئ موَّلتها الصين ونفذتها. وإلى الطريق السريع الموحش، موّلت بكين إنشاء ملعب كريكيت يتسع لـ35 ألف شخص، ومرفأ عميق المياه تكلفته بليون ونصف بليون دولار، ومطار ماتالا راجابكسا، تكلفته 209 ملايين دولار، وهو «أكثر مطارات العالم الدولية خواء». والمطار الثاني هو ثاني أكبر المطارات في سريلانكا، ومعد لاستقبال مليون مسافر سنوياً. لكن أعداد مستخدميه تقتصر على حوالى دزينة يومياً. وحركة الأعمال شحيحة. لذا، رأى مسؤولون أن ما يدر عليهم أموالاً أكثر هو تأجير محطات الشحن مستودعات لتخزين الأرز، عوضاً من استخدامها في أعمال وثيقة الصلة بالسفر والطائرات. وبلغت الحركة في المطار ذروتها العام الماضي، حين قصده 350 شرطياً مسلحاً بألعاب نارية لإطلاقها في باحاته من أجل إبعاد الحيوانات البرية، وهذه أكثر الرواد إقبالاً عليه. وهذه المشاريع لا تُنزّل على حاجات الاقتصاد المحلي بل على خطط أعدت في أماكن قصيّة. وحين انتهت الحرب الأهلية في سريلانكا عام 2009، بعدما طالت 27 عاماً، كان شاغل الرئيس حينها ، ماهيندا راجاباكسا، تحويل هذه المنطقة الفقيرة إلى منطقة أعمال دولية وسياحة لتحفيز الاقتصاد. والصين كان لها أحلامها وغاياتها. فموقع هامبانتوتا إستراتيجي على مسافة أميال قليلة من شمال خطوط التجارة والنقل البحري في المحيط الهندي، وهو ممر 80 في المئة من النفط الذي تستورده الصين. وبدا أن تشييد مرفأ في هذه المنطقة يزيد بريق «عقد اللؤلؤ» الصيني- وحباته أو حلقاته ترسم ما يعرف بـ «طريق الحرير المائية».لكن المسافرين لم يصلوا إلى القاعات الشاسعة المخصصة لهم، على رغم الإعداد لاستقبالهم ، وحدها الفواتير وصلت . فعائدات مطار ماتالا السنوية تقتصر على 300 ألف دولار ، في حين أن على الحكومة السريلانكية أن تسدد له 23,6 مليون دولار سنوياً في السنوات الثماني المقبلة . ويذهب حوالي 90 في المئة من عائدات البلد هذا إلى خدمة ديونه . ولم يسع الرئيس الجديد الذي بلغ السلطة عام 2015 من طريق الوعد بتقويض النفوذ الصيني، غير الصدوع بالواقع المالي. وفي سبيل تخفيف أزمة الديون، عرضت سريلانكا مشاريع «الفيلة البيضاء» للبيع . ووافقت الحكومة في تموز (يوليو) المنصرم ، على تأجير الصين مرفأ المياه العميقة لـ99 عاماً ، مقابل إلغاء 1,1 بليون دولار من ديون الجزيرة. والتزمت بكين بذل 600 مليون دولار لتطوير المرفأ تطويراً يتيح استخدامه التجاري . وحين ذاع خبر الاتفاق المبدئي مطلع العام، اندلعت موجة احتجاج على التفريط بالسيادة الوطنية ، على نحو ما حصل في عهد الاستعمار خلال مرحلة الحكم البريطاني. و “لطالما حسبنا أن الاستثمارات الصينية ستساهم في تحفيز اقتصادنا. لكننا اليوم نشعر بأننا استُدرجنا إلى بيع بعض الغالي والنفيس من أصولنا»، يقول الصحفي السريلانكي والباحث الجامعي ، أمانتا بيريرا. وفي وقت تنسحب الولايات المتحدة من العالم انسحاباً عشوائياً غير منظم – إلغاء اتفاقات تجارية وتقويض الدبلوماسية ومعاداة حلفاء- تمضي الصين قُدماً في مشروع توسّعها الدولي، «حزام واحد، طريق». ويستوقف المرء اسم المشروع.  فالـ «حزام» يشير إلى الطريق التجارية البرية عبر آسيا الوسطى وأوربا، في وقت أن الـ «طريق» تشير إشارة غامضة إلى الطريق البحرية الممتدة من جنوب شرق آسيا عبر المحيط الهندي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوربا. لكن النيّات واضحة: التمدد في 68 بلداً. فالمشروع يشيّد المرافئ ويشق طرقاً وسكك حديد وحلقات اتصال، منها تتألف طريق حرير معاصرة تفضي شعابها كلها إلى الصين. وهذا المشروع طويل الأمد، ومكاسبه ليست آنية . فمشاريع البنى التحتية ليست الأمثل لجني الأموال . لكن إذا لم تكن الأرباح في المتناول، لماذا يُسرِّع الرئيس الصيني، شي جينبينغ، وتيرة تنفيذ مشروع «حزام واحد، طريق»، في وقت يتباطأ الاقتصاد الصيني في الداخل، وتقبل حكومته على شراء مرافق في الخارج؟ والاقتصاد هو شطر كبير من الجواب. فالصين ترغب في ضمان وصولها إلى مفاتيح الموارد الطبيعية، وتصدير قدراتها الصناعية المتوقفة عن العمل، وترجيح كفتها في النظام العالمي. وإلى الطموح الاقتصادي، ثمة طموح ثقافي صيني. فطوال قرون، هيمنت الليبرالية الغربية على العالم . ويرى الصينيون أن «وقتهم» آن وأَهلّ. «ترى الصين أنها صاحبة حضارة عظيمة تحتاج إلى استعادة مكانتها الرائدة في العالم لتوجيه دفته» ، يقول قاديرا بيتيالغودا، الباحث في معهد بروكينغز. وعلى خلاف مشروع مارشال الذي قادته أميركا واسهم في إعمار غرب أوربا بعد الحرب العالمية الثانية -وعلى الرغم من أوجه الشبه بينهما في تشييد بنى تحتية حيوية- لا يمنح مشروع «حزام واحد، طريق» مساعدات وهبات ولا قروضاً متدنية الفائدة. وشطر راجح من تمويل هذا المشروع مصدره قروض فوائدها من مستوى الفوائد في السوق، تتوق الدول الضعيفة إلى الحصول عليها- واليوم، كثير منها يسعى إلى سداد هذه الديون بشق النفس. وحتى حين تتناسب المشاريع مع حاجات الاقتصاد المحلي، تكون الخيبة في الانتظار: تشييد مرافق، وذهاب الأموال إلى شركات صينية وديون أكبر فأكبر تثقل كاهل البلد. لكن ما المآل حين يكون وراء مشاريع البنى التحتية طموحات جيو- سياسية أو حاجة الصين إلى أعمال تزجي فيها شركات صينية عامة الوقت؟ حيازة سريلانكا مطاراً خاوياً تعرضه للبيع. يبدو أن حال سريلانكا تنذر بوشك اندلاع أزمة ديون . فعدد كبير من دول «حزام واحد، طريق» حصلت على ديون صينية ضخمة سدادها عسير . فعلى سبيل المثل، منحت مصارف صينية باكستان 1,2 بليون دولار للحؤول دون أزمة عملة- وهي وعدت كذلك بـ57 بليون دولار لتطوير الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني. «المشاريع التي تقترحها الصين ضخمة وثورية، ويتعذر على كثير من الدول الصغيرة مقاومتها»، يقول براهما شيلاني، أستاذ الدراسات الإستراتيجية في مركز نيودلهي للأبحاث في السياسة. «يأخذون القروض ويعتادون عليها ويدمنون عليها مثل إدمان المخدرات، فيقعون في أسر خدمة الديون. والحال هذه حلقة من حلقات رؤى الصين الجغرافية – السياسية». وهذه الحال تستحضر طيف الكولونيالية، حين توسل البريطانيون والهولنديون الديون للإمساك بمقاليد أصول الأمم الإستراتيجية. لكن الصين تقول وتؤكد أنها ليست قوة كولونيالية. فجاذبيتها في الدول النامية مردّها إلى تجربة الكولونيالية المشتركة، وهي تجربة سلبية ومريرة. وهي تقول إنها ترغب في علاقات تعاون وتجارة «ربح– ربح» وعلاقات استثمار. وعلى خلاف الدول الغربية والمؤسسات التي تسعى إلى التأثير في حكم الدول النامية، تلتزم بكين مبدأ عدم التدخل، ولسان حال الصين: إذا أراد شركاء محليون في دول نامية الاستفادة من طريق جديدة أو مرفأ، يسعهم «الربح» كذلك من طرق التجارة الصينية والشراكة معها. والحق يقال إن إغراق الدول بالديون قد يعزز نفوذ الصين على الأمد القصير، لكنه يغامر بخسارتها على الأمد الطويل. فعلاقات الثقة والنيات الحسنة حيوية في ميزان نجاح «حزام واحد، طريق» في الأمد الطويل. وتروج الصين لقوتها على أنها قوة «لطيفة». لكن حرياً بها التذكر بأن إنشاء مرافئ عميقة المياه ومدّ سكك حديد وإرساء طرق تجارية جديدة- والاضطرار إلى الذود عن المشاريع هذه أمام محليين غاضبين- هو المنحدر نفسه الذي انزلقت عليه بريطانيا إلى الإمبراطورية والاستعمار.
* كاتبة امريكية
 

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*