الآن
ما لا تعرفه عن عقيدة الصدمة .. كيف تستفيد السلطة من الأزمات

ما لا تعرفه عن عقيدة الصدمة .. كيف تستفيد السلطة من الأزمات

نعومى كلاين
    «بعد كل كارثة يتحرك المقاولون أصحاب الأعمال الخاصة مستخدمين التملق للبحث عن الأعمال المُنجزة بشكل سيء، يلى ذلك إنفاق مليارات الدولارات من ميزانية الحكومة، مثلما حدث في برج جرينفل وإعصار كاترينا، الكارثة التي كشفت عن الازدراء الذي يعانيه الفقراء»
في بعض الأوقات التي كنت أقوم فيها بإعداد التقارير من مناطق الكوارث، كان ينتابنى شعور سيء؛ ليس فقط لأننى أشاهد الكارثة هنا والآن، ولكنني كنت أشعر أنني أرى لمحة من المستقبل، نظرة عامة على الطريق الذي نسير فيه. حينما استمعت لحديث دونالد ترامب، ورأيت استمتاعه الواضح بخلق جو من الفوضى وزعزعة الاستقرار، فكرت للحظة أنني رأيت ذلك من قبل في تلك اللحظات الغريبة، حينما بدت البوابات مفتوحة أمام مستقبلنا الجماعي.واحدة من تلك اللحظات حينما وصلت إلى ولاية نيوأورلينز عقب إعصار كاترينا؛ 

    لأرى جحافل من قوات «المقاولين» الخاصة تهبط على المدينة الغارقة في الفيضان لإيجاد طريقة لتحصيل المنافع من الأزمة التي ضربت المدينة، في حين تم ترحيل الآلاف من سكان المدينة، وقد لقوا معاملة تشبه معاملة مجرم خطير يحاول البقاء حيًا وحسب بدأت في تسجيل كل التكتيكات المتبعة في مناطق الكوارث حول العالم، استنادًا لنظرية عقيدة الصدمة لفهم الطريقة الوحشية المتبعة التي تستغل إرتباك جماهير العامة عبر أشكال متعددة من الصدمات (حروب، انقلابات عسكرية، هجمات إرهابية، هجمات على الأسواق، أو كوارث طبيعية، للدفع بالتدابير المؤيدة للفكر الراديكالى المسمى بـ(المعالجة بالصدمة). بالرغم من أن ترامب قد كسر القوالب المعتادة إلا أنه يتبع سيناريو محددًا، يشبه كثيرًا ذلك الذي فرضته بعض الدول لإحداث تغييرات سريعة تحت غطاء الكارثة. تلك الاستراتيجية هي الشريك الصامت لفرض «الليبرالية الجديدة» منذ أكثر من 40 عامًا.إن تكتيكات الصدمة تتبع نمطًا واضحًا، تنتظر حدوث الكارثة، أو في بعض الحالات تصنع واحدة، مثل ما حدث في تشيلي أو روسيا، ثم يُعلن عن اللحظة التي تتُخذ فيها إجراءت استثنائية، مثل منع كل أشكال الممارسات الديمقراطية، ثم تسليم الأمر للمؤسسة المرغوب فيها بأسرع ما يمكن.    أظهرت الدراسات أن كل الأحداث الصاخبة تقريبًا، إذا تم توظيفها بواسطة هيستريا القادة السياسيين؛ فإنها تسهل متابعة الأمر. من الممكن أن يكون هناك حدث – مثل الانقلاب العسكرى – يزعزع الأجواء، لكن الصدمة الاقتصادية والأزمات السوقية تلعب دورًا مهما، كالتضخم المفرط أو الانهيار البنكي على سبيل المثال، وهنا تقوم النخب الحاكمة بتصدير الذعر للجماهير، مثل تهديد السلام الاجتماعي للمواطنين، أو عمليات الإنقاذ الضخمة للقطاع الاقتصادى الخاص؛ لأن البديل كما زعموا هو الانهيار الكامل للاقتصاد.استطاع الجمهوريون تحت ولاية ترامب تحجيم مناخ الأزمات المحيط برئاسة ترامب غير المقبولة شعبيًا لجعلها تصب في مصلحة الشركات المؤيدة لسياساته، وكما نعلم فإن تحركاتهم ستزداد وتتسارع لإحداث صدمات خارجية – في بلاد متعددة – بالطبع نحن نعرف ذلك لأن العضو الأهم في فريق ترامب كان في القلب من كل الأحداث الفظيعة التي مثلت عقيدة الصدمة في العقود الماضية. ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي الذي قام جزء كبير من مشواره الوظيفي على تحقيق المنافع من الحروب وعدم الاستقرار، وكمثال على ذلك: فإن شركة «إكسون موبيل» التي يترأس مجلس إدارتها تيلرسون، كانت المستفيد الأكبر من رفع أسعار زيت الوقود في 2003 بسبب غزو العراق، وأيضًا لرفض نصيحة الخارجية الأمريكية آنذاك وعقد صفقة مع إقليم كردستان العراق؛ لأنها خارج ملعب الحكومة العراقية، حتى يأتى السؤال الذي تم طرحه «هل بإمكاننا إشعال حرب أهلية كاملة وتأكيد عدم التدخل في الأزمة الداخلية؟. ولأنه رئيس لمجلس إدارة شركة «إكسون موبيل»، استطاع تيلرسون تحقيق منافع من الأزمات الكبيرة بأكثر من طريقة.وأيضًا لكونه رئيسًا تنفيذيًا في مؤسسة عملاقة للوقود الحفري – التي على الرغم من كون الأبحاث التي يقوم بها باحثوها تتركز على التأثر البشري بالاحتباس الحراري – تقرر المؤسسة نشر معلومات مغلوطة عن أبحاث المناخ، بحسب LA Times investigation، وقد عملت شركة إكسون موبيل – قبل وبعد اندماجها – بجد على معرفة الطرق التي تحقق بها مزيدًا من الأرباح وحماية نفسها من الأزمات التي يتُوقع حدوثها. وقد فعلت ذلك عبر عمليات الحفر في مناطق بالقطب الشمالي الذي انصهر بفضل الاحتباس الحراري، وإعادة تصميم خط أنابيب للغاز في بحر الشمال لاستيعاب ارتفاع معدلات المياه والعواصف الكبيرة، وقامت بذلك التلاعب أيضًا عند سواحل «نوفا سكوتيا».في مؤتمر عام أقيم سنة 2012 أقر تيلرسون أن الاحتباس الحراري قد حدث بالفعل، لكن ما قاله بعد ذلك كان كاشفًا؛ حيث قال: «مثلما استطاعت باقي الكائنات الحية الاعتياد على التغيرات المناخية، البشر أيضًا يستطيعون فعل ذلك، إن أنماط التغير الحراري تزيد من المحاصيل الزراعية، سوف نعتاد على ذلك».بإمكاننا القول إنه محق تمامًا، إن قدرة البشر على التكيف متوقفة على قدرة الأرض أن تقدم لهم الغذاء، وقد كان التكيف البشري في صورة الترحال فيترك الناس منازلهم للبحث عن أماكن يستطيعون فيها توفير الغذاء لهم ولذويهم، لكننا وكما يعرف تيلرسون تماماً لسنا في العصر الذي تفتح فيه الدول حدودها أمام الجوعى واليائسين كما كان يحدث في الماضي، في الحقيقة إن تيلرسون نفسه الآن هو الذي يرفض دخول اللاجئين السوريين الذين سقطت بلادهم في فقر مدقع بسبب توترات الحرب الأهلية التي استخدمها الإرهاب كحصان طروادة، إنه في عهد الرئيس الذي قرر حظر السفر على اللاجئين السوريين ليمنعهم من دخول أمريكا.ذلك الرئيس الذي قال عن الأطفال السوريين المحتاجين للجوء: «أستطيع أن أنظر في وجوههم وأقول لهم لن تستطيعوا المجيء عندنا».الرئيس لم يتراجع عن قصف سوريا بالصواريخ بافتراض أنه تحرك بفعل الأثار المريعة للهجمات الكيميائية على الأطفال، لكنه لم يتحرك بما يكفي لاستقبال الأطفال وآبائهم، الرئيس الذي أعلن خطة لتتبع ومراقبة وسجن وترحيل المهاجرين كميزة لنظام حكمه. جالسون في الأجنحة الفندقية يمضون وقتهم كفريق كبير لترامب لتحقيق الاستفادة من كل ذلك.    ما بين يوم انتخابه ومضي شهر على فترة رئاسته – أي ترامب – ارتفعت أسهم شركتي «Core Civic» (شركة الإصلاح الأمريكية سابقًا)، وشركة «Geo Group»، اللتان تديران السجون الخاصة في الولايات المتحدة بمقدار 140%، و98% على التوالي. ذكر تقرير وكالة (IPS) الإخبارية أن هناك 2.5 مليون سجين في الولايات المتحدة داخل السجون التي تديرها شركات خاصة وأن هناك عددًا كبيرًا من المهاجرين داخل هذه السجون، وهو ما يفسر حديث ترامب المتكرر عن سجن المهاجرين.. تقوم فكرة السجون الخاصة في الولايات المتحدة على أن تقوم الحكومة بتوكيل مهمة إدارة السجن لشركة تقوم بعمليات الأمن والمراقبة، وغيرها من المهام مقابل تكلفة يومية عن كل سجين، وقد ذكرت رئيسة كتلة السود في الكونجرس عام 2010 إلسي سكوت أن تكلفة السجين اليومية تصل إلى 68 دولارًا، وهي تكلفة خرافية. وذكرت تقارير أخرى أن معدل أرباح الشركات التي تدير السجون وصل إلى 2.9 مليار دولار في عام 2010، وقد بدأت فكرة السجون الخاصة في أمريكا في عام 1980.ولم لا؟! إن كانت «إكسون موبيل» قد تعلمت تحقيق الأرباح من الاحتباس الحراري. فإن هذه الشركات التي هي جزء من صناعة السجون الخاصة المترامية الأطراف حول العالم، ترى أن الحروب والهجرات مرتبطة بالتوترات المناخية، ويمكن استغلالها كفرصة لتحقيق الأرباح.في الولايات المتحدة، أرسلت هيئة الهجرة والكمارك 34 ألف مهاجر إلى السجون لدخولهم البلاد بطريقة غير شرعية، 73% منهم يقبعون في سجون خاصة، ولا تتعجب حينما تعرف أن أسهم هذه الشركات قد ارتفعت بعد انتخاب ترامب، وسوف يكون لديهم أشياء أخرى قريبًا يحتفلون من أجلها. أولى هذه الأشياء وزير العدل الجديد الذي عينه ترامب، المحامي جيف شيسنز، الذي ألغى قرار أوباما بإغلاق السجون الخاصة وتحويل السجناء إلى السجون العامة.ثانيها، تعيين نائب وزير الدفاع، باتريك شانهان، المسؤول التنفيذى الأول في شركة «بوينج» التي باعت أجهزة ومعدات حربية للحكومة الأمريكية، من بينها طائرات هليكوبتر وشينوك، كما أشرف على «البرنامج الدفاعي الصاروخى الباليستي» الذي تقوم به شركة بوينج للاستفادة بشكل ضخم في حال استمرت التوترات الدولية في التصاعد في عهد ترامب. بإمكانك أن تفهم الآن السبب وراء اشتعال الأزمة الخليجية عقب انتهاء القمة الأمريكية العربية الإسلامية مع ملوك الخليج. وهذا ما هو إلا جزء من اتجاه أكبر بكثير، وقد أخبرني لي فانج – صحفي في قسم التحقيقات بموقع The Intercept – معترضًا في مارس 2017: «إن الرئيس ترامب يستخدم سلاح الباب الدوار عن طريق تعيين مقاولين في تجارة الأنظمة الدفاعية، ومجموعات ضغط في مناصب حكومية رسمية، من أجل توسيع الميزانية العسكرية للدولة والتوسع في برامج الأمن القومي، وأنه حتى الآن تم تعيين 15 مسئولًا على الأقل ممن لهم علاقات مالية مع مقاولين الأنظمة الدفاعية» بالطبع لعبة «الباب الدوار» ليست أمرًا جديدًا، فالعديد من كبار ضباط الجيش المتقاعدين يحصلون على وظائف أو عقود مع شركات الأسلحة، لكن ما هو العدد الجديد للجنرالات الذين لديهم صلات مربحة مع شركات الأسلحة؟ وتم تعيينهم في مجلس الوزراء بصلاحيات تخصيص الأموال، تلك الخطوات النابعة من خطته لتوسيع التسليح للبنتاجون وهيئة الأمن القومي بأكثر من 80 مليار دولار في عام واحد! الشيء الآخر الذي تغير، هو حجم الإنفاق على الأمن الداخلي وأنظمة المراقبة، لقد تضاعف ذلك القطاع أضعافًا مضاعفة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) حينما أعلنت إدارة بوش الشروع في الحرب غير المنتهية «الحرب على الإرهاب» وأنه سيتم الاستعانة بمصادر خارجية في كل ما يمكن القيام به. إن العديد من تعيينات ترامب جاءوا من مؤسسات تؤدي وظائف كانت منذ مدة بعيدة من غير المعقول الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بها.على سبيل المثال رئيس مجلس الأمن القومى الذي عينه ترامب، الجنرال المتقاعد كيث كيلوج، من بين الوظائف التي عمل بها كيلوج ذلك التعاقد المُبرم بينه وبين مؤسسة «Cubic Defense».بحسب ما قالته الشركة: «فإن كيلوج طور من الحركة التجارية لتدريباتنا القتالية وساعد في توسيع قاعدة بيانات عملائنا حول العالم». إذا كنت تعتقد أن التدريب القتالي هو شيء تستخدمه الجيوش للقيام بكل ماتريده من تلقاء نفسها، فأنت محق.ملحوظة أخرى حول تعيينات المقاولين التي قام بها ترامب، هي أن معظمها جاء من مؤسسات لم تكن موجودة قبل هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، «Chertoff Group» التي أسسها بوش الإبن ومدير هيئة الأمن القومي مايكل شيرتوف، والتي تقدم خدمات المراقبة ولديها قاعدة بيانات ضخمة ممولة من قبل الملياردير «بيترثيل» الداعم الأكبر لترامب، إن شركات الأمن تعتمد بشكل كبير على الأجنحة العسكرية والمخابراتية في طاقم عملها.في عهد ترامب عاد العديد من مجموعات الضغط «اللوبي» والعاملين في هذه المؤسسات، إلى المناصب الحكومية، مما سيعطيها فرصة لتسهيل اصطياد من يسميهم ترامب «الرجال السيئين».كل ذلك يخلق هذا الخليط الكارثي، خذ مجموعة من الناس المستفيدين من الحرب الدائرة وضعهم في قلب الحكومة التي يتطلب منها خلق حالة من السلام!. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*