الآن

ماذا يريد البارزاني من الاستفتاء ؟

د.سعدي الابراهيم

تضع جميع دول العالم : المتقدمة وغير المتقدمة، وحدة اراضيها فوق كل الاعتبارات، فإذا كانت دولة تقليدية، اي تعد الدين والقومية جزءا من هويتها الوطنية وكيانها، فانها سترتب اولياتها بحسب ذلك، بمعنى : الدين (الله) او القومية اولا، والارض ثانيا. اما اذا كانت دولة مدنية علمانية، فانها سترتب اولوياتها هكذا: الوطن اولا، وكل شيء يأتي بعده 
مشكلة العراق بعد عام 2003، انه لم يُعرف نفسه، فالتاريخ والجغرافيا والموروثات الشعبية والوطنية، تقول بانه بلد لا يصح ان يكون غير العراق، بمعنى انه ذو خصوصية وهوية وطنية مستمدة من مميزات وخصائص العراق ذاته. اما الدولة ودستورها ونخبتها السياسية الحاكمة، فقد وقعت في تناقض كبير، قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية ودستور العراق الدائم وسلوكيات القوى السياسية، تظهر بان العراق بلا هوية وطنية، فهو حائر بين عدة هويات
هذه الحيرة والارباك المقصود وغير المقصود، قد ذهبت بقوة العراق وريحه، وصار عبارة عن مكونات مذهبية وقومية ومناطقية، واذا كانت البعض من القوى السياسية، تتمنى لبلدها الخير والتقدم، حتى لو اخطأت في ان تعبر عن حبها و وطنيتها عبر الاداء، بسبب صعوبة المرحلة، وبسبب قلة خبرتها في تدبير الامور ، فأن هناك قوى سياسية تجد في هذا الارباك السياسي فرصة سانحة لها لتحقيق مكاسب شخصية واخرى تمثل هويتها الفرعية، التي كان من المفترض ان تكون جزءا من حالة الانسجام الوطني، وبالتأكيد ان القوى السياسية الكردية، تأتي على رأسها 
ومن مظاهر استغلال القوى السياسية الكردية لحالة التراخي والبعثرة السياسية، هو دعواتها المتكررة للانفصال عن العراق وتكوين دولة مستقلة، وهذه الدعوات لم تتوقف منذ العام 2003، وكلما كادت البلاد ان تخرج من ازمة سرعان ما تتوتر العلاقة مع الاقليم، فيدخل العراق باسره بازمة جديدة 
وبقدر تعلق الامر، بالاتفاق الذي تم بين القوى السياسية الكردية الذي نص على اجراء استفتاء حول الانفصال عن العراق في الاشهر القادمة، فان وراء هذا الاستفتاء اسباب متعددة، من الممكن ان نبين البعض منها، وكما يأتي 
اولا – المتغيرات الداخلية
توجد بعض المحفزات على الصعيد الداخلي ، ومنها
1 – المتغيرات الكردية
هناك شعور لدى القوى السياسية الكردية، وعلى رأسها السيد مسعود البارزاني، من ان بقاءه لمدة اطول في حكم الاقليم لم تعد ممكنة، بعد ان اشتعلت المنطقة المحيطة بحركات التغيير الديمقراطية، ولا توجد امامه من فرصة للبقاء على رأس السلطة افضل من تكوين دولة، حتى لو كانت الظروف الاقليمية والدولية غير مناسبة
ومن جهة اخرى، هناك مسعى لدى السيد البارزاني في ان يسجل انجاز اعلان الدولة الكردية باسمه واسم عائلته الحاكمة، وخوفه من ان تطول المدة فيذهب الانجاز الى غيره، او ان لا يتحقق اصلا
2 – المتغيرات العسكرية
لاشك ان قوة الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى العام 2003، ترتبط بقوة المؤسسة العسكرية، بل ان العراق هو عبارة عن جيش، متى ما ضعف فان العراق يضعف ومتى ما تقوى فأن العراق يكون قويا، والادلة واضحة على ذلك، فالجيش العراقي كان على طول الخط هو الممسك بوحدة البلاد، وكانت الانظمة السابقة حتى عام 2003 تدرك هذا جيدا، فتهتم بالعسكر وتعلي من شأنهم. والقوى السياسية الكردية تعرف ذلك ايضا، لذلك فان الاستقرار الملحوظ في المؤسسة العسكرية العراقية، وتقدمها الكبير في الحرب على الارهاب، التي شارفت على الانتهاء، بات يؤرق بال رئيس اقليم كردستان، خوفا من ان يكون للجيش العراقي نوايا لفرض ارادة الحكومة المركزية على كل الارضي العراقية بالقوة. لذلك يحاول ان يستبق هذه اللحظة
ثانيا – المتغيرات الاقليمية
ان قمة الرياض لم تكن بعيدة عن تحديد البارزاني موعدا للاستفتاء، فالعرب الذين اتفقوا مع الرئيس الامريكي ترامب، اغلبهم باستثناء سوريا، لا يمانعون انفصال الاقليم عن بغداد، بل هم على استعداد لتمويله والاشراف عليه، واحد اسباب ذلك يتمثل في من يحلم برؤية دولة سنية جديدة تخرج عن قيادة حكومة ذات صبغة شيعية، هي الحكومة الاتحادية في بغداد
ومن جهة اخرى، فان الموقف الذي عبرت عنه القمة تجاه ايران، هو الاخر يعد باعثا على الاطمئنان، فانشغال ايران بالوقوف بوجه التحدي الامريكي – السعودي، سيمنح الاقليم فرصة للخلاص من اي ضغط ايراني مانع للانفصال 
ثالثا – المتغيرات الدولية
بالرغم من الموقف الامريكي المعلن، الذي ينادي بوحدة العراق واستقراره، الا ان الرئيس الجديد ترامب، الى الان لا تعرف ستراتيجيته الحقيقية في المنطقة، فتأكيده على دعم العراق لايتجاوز حد محاربة الارهاب، وفي الوقت الذي كان من المفترض ان تكون بغداد هي المكان الانسب لعقد قمة دولية ضد الارهاب كونه البلد الذي فيه حرب حقيقية ضده، نراه يختار الرياض المتهمة بدعم التوتر والارهاب في المنطقة. بمعنى ان البارزاني يستشف ان الولايات المتحدة ليس لديها رغبة حقيقية للحفاظ على وحدة العراق، وبالتالي فانها فرصة مناسبة للذهاب الى الاستفتاء، بغية التأكد من الموقف الامريكي الحقيقي  
اما النخبة السياسية العراقية الحاكمة، فأمامها عدة اليات من الممكن ان تتخذها، اذا كانت تريد ان تحافظ على وحدة البلاد، على الاقل في هذه المدة، مخافة ان يسجل التاريخ بأن الانفصال حدث ابان توليها للسلطة، ومن اهم تلك الاليات، الاتي
اولا – اليات اقليمية
اثارة الرأي السياسي الاقليمي، ولاسيما تركيا – ايران – سوريا، وارسال وفود سياسية سرية وعلنية، لإجهاض الاستفتاء، وتذكيرها ان تقسيم العراق هو بداية لتقسيمها ايضا بحكم التشابه الاثني، ومطالبتها بموقف اكثر حزما، يصل الى حد التدخل العسكري ان اقتضى الامر
ثانيا – اليات داخلية
عقد اجتماع للقوى السياسية العربية (سنية – شيعية) ، ردا على الاجتماع الذي عقدته القوى السياسية الكردية، وان تحاكي نتائجه النقاط الاتية
1 – اعتبار الانفصال (وليس الاستقلال)  امرا محرما، وتضييع للأمانة التي قبل الساسة العراقيون حملها، والمتمثلة بالحفاظ على وحدة البلاد من الشمال الى الجنوب
2 – ارسال رسالة للقوى السياسية الكردية، مفادها : ان العراق مستعد للجوء الى كل الخيارات المتاحة للحفاظ على وحدة اراضيه، كما فعل في حربه مع الارهاب 
3 – الرجوع الى المرجعية الرشيدة في هذا الامر، بغية اضفاء جانب قدسي على الوحدة الوطنية
4 – اثارة موضوعة الاسلوب الدكتاتوري الذي يحكم من قبله الاقليم، فمن قال بان الاستفتاء يعبر عن رأي الاكراد العراقيين؟ طالما ان السيد البارزاني يرفض ترك المنصب لغيره، وبالتالي لابد من التعامل مع القوى الكردية التي تؤمن بالعمل الديمقراطي التي اعلنت رفضها للاستفتاء، مثل حركة التغيير 
اذن، لابد للحكومة العراقية بشكل خاص والشعب العراقي بشكل عام، من ان يتعاملوا مع موضوعة انفصال الاقليم بشكل جدي وان يبحثون عن الاليات الكفيلة بالحفاظ على وحدة البلاد
 



This post has been seen 47 times.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*