الآن
لماذا لم ينقلب الجيش الجزائري على بوتفليقة رغم عجزه

لماذا لم ينقلب الجيش الجزائري على بوتفليقة رغم عجزه

عبد القادر بن مسعود

راهن الكثير في الداخل الجزائري أنّ معركة التغيير داخل الجهاز العسكري في  الجزائر قد انتهت بسيطرة الفريق القايد صالح وجماعته، وذلك بعد إبعاد الجنرال محمد مدين أو التوفيق كما يحلو لأنصاره تسميته، وبعد حملة الإقالات الكبيرة التي شهدها قطاع الدفاع بناءً على توصيات الفريق القايد صالح، رأى الجزائريون أن موعد الخلاص من مهزلة الحكم في الجزائر التي كان آخرها إقالة الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون بعد مضي شهرين على تنصيبه قد اقترب.

السؤال، متى ينهي الجيش أزمة العهدة الرابعة لبوتفليقة؟ كان أكثر الأسئلة حضورًا في حديث الجزائريين، نظرًا لليأس الذي امتلك الجزائريين من التغيير، وهذا ما اضطر الوزير السابق «نور الدين بوكروح» لكتابة مقال على القدس العربي، طالب به الجيش الجزائري بتحمُّل مسؤولياته والتدخل لإنهاء حكم الرئيس العاجز، هذا الطلب قوبل بالرفض القاطع من إدارة الجيش الجزائري، التي  ردّت في  افتتاحية مجلة الجيش التي تصدر دوريًا عنها بالتزامها بمهامها الدستورية نائية بالنفس عما يجري من صراع داخل أروقة قصر المرادية، في هذا التقرير نحاول جمع مختلف الأسباب التي  دفعت بالجيش الجزائري لالتزام الحياد وعدم قبول المطالب بضرورة التدخل والانقلاب على حكم بوتفليقة.
«مرض الرئيس».. جزائريون يناشدون الجيش التدخل لإنهاء حكم بوتفليقة
منذ استقلال الجزائر حكمَ البلاد سبعة رؤساء للجمهورية، تفاوتت فترة حكم كل منهم، لكن الرئيس بوتفليقة كان أكثر الرؤساء الذين عمروا في الحكم، على مدار 17 سنة، هي مدة حكم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة طيلة عهداته الأربع، عرفت العلاقة بين الشعب الجزائري والسياسة تباينًا كبيرًا، وإن كان حجم المشاركة السياسية في الانتخابات الرئاسية مرتفعًا في غالبيته، ففي التاسع من أبريل (نيسان) عام 1999 فاز بوتفليقة بأولى عهداته، بدعمٍ من الجيش الجزائري، هذا الدعم أدى إلى انسحاب منافسيه في تلك الانتخابات قبل يومٍ واحد من إجراء الاقتراع بحجة تأكُّدهم من عدم شفافية الانتخابات واحتجاجًا على تدخل الجيش في الانتخابات، استمر دعم الجيش الجزائري للقائد الأعلى للقوات المسلحة الجزائرية، ليهيمن بوتفليقة ويحتكر الحكم في الجزائر لأربع عهدات رئاسية متتالية، وبنسبة انتخابٍ بلغت ما بين 70% و90%. العلاقة بين بوتفليقة والشعب الجزائري يمكن وصفها بأنها متباينة إلى حدٍ كبيرٍ، ففي الفترة الرئاسية الأولى والثانية لبوتفليقة كان هناك نوع من الاهتمام من الشارع الجزائري لأخبار قصر المرادية وللرئيس بوتفليقة، وكانت زيارات الرئيس الجزائري للولايات الجزائرية تعرف استقبالًا شعبيًّا كبيرًا واحتفاءً يذكِّر بوقت الرئيس الجزائري الأسبق «هواري بومدين»، لكنَّ هذه العلاقة بين بوتفليقة والشعب الجزائري سرعان ما بدأت في  الفتور، فلم يعد الجزائريون يبدون اهتمامًا بأخبار بوتفليقة فما عدا الوعكة الصحية التي أصابت بوتفليقة سنة 2005، لم يهتم الرأي العام الجزائري لمرض الرئيس بعد ذلك باستثناء الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، وهذا لاشتغال الجزائريين بواقعهم التعيس.
بوتفليقة على كرسي متحرك
وبالعودة إلى صحة بوتفليقة التي انتهت فصولها اليوم بصورٍ لبوتفليقة تدمي الأعين، ففي 26 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2005 تعرض بوتفليقة لوعكةٍ صحيةٍ أثرت نقله إلى باريس وبالضبط إلى المستشفى العسكري الفرنسي «فال دوغراس» حيث زاره في المستشفى مغني الراي الجزائري «الشاب مامي» الذي طمأن الجزائريين على صحة رئيسهم، لتبدأ قصة بوتفليقة مع المرض ،ولم يغادر بوتفليقة المستشفى إلا بعد شهر وخمسة أيام، وبحسب مصدر رسمي حكومي كانت طبيعة مرض بوتفليقة آنذاك إصابته بقرحة معدية، جعلته يعود للمستشفى الفرنسي مرّة ثانية لفحوصات دورية في 20 أبريل (نيسان) عام 2006، ليستمر بوتفليقة بعدها في أداء مهامه بعدها في فترته الرئاسية الثانية، التي شهدت محاولة لاغتياله في سبتمبر ( أيلول) عام 2007، حين فجر انتحاري نفسه بالقرب من المنصة الشرفية للرئيس الذي كان في زيارة إلى ولاية باتنة (400 كلم شرق العاصمة الجزائرية) وقبل وصوله إليها بـ40 دقيقة فقط مسلسل بوتفليقة مع المرض دخل فصل العجز الأخير، حين أصيب بوتفليقة في 27 من نيسان سنة 2013 بنوبة إقفارية استدعت نقله على جناح السرعة بواسطة مروحية إلى باريس؛ ليعود إلى مستشفى «فال دوغراس»، ثم إلى مصحة «ليزانفاليد»، لتبدأ معها رحلة المعارضة الجزائرية مع الدعوة لتطبيق المادة 88 من الدستور الجزائري التي تثبت عجز الرئيس تمهيدًا لعزله، بعد 47 يومًا من تضارب الأنباء عن مصير الرئيس، اختار بوتفليقة رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق «القائد صالح» ليظهر معه على التلفزيون الحكومي ليبعث رسالة للشعب الجزائري أنّه ما زال حيًّا، بعد 80 يومًا من العلاج يعود بوتفليقة إلى الجزائر لكن هذه المرة يعود على كرسيّ متحرك.عجز بوتفليقة بدا ظاهرًا بعدها إذ إنه لم يخاطب الشعب الجزائري منذ خطابه في محافظة سطيف في الثامن من مايو ( أيار) سنة 2012، والذي قال فيه العبارة الشهيرة «طاب جناني» في إشارة إلى أنّ وقت تسليمه الحكم قد اقترب، لكن بوتفليقة أصرّ أن يضيف لنفسه عهدةً رابعة، ويستمر في حكم الجزائر إلى الموت، ليترشح للانتخابات الرئاسية عام 2014، وسط غضبٍ شعبي كبير، ليفوز بعدها بالانتخابات بنسبة 91% في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم، حيث لم ينشط بوتفليقة حملته الانتخابية،
جزائريون غاضبون من ترشح بوتفليقة للعهدة الرابعة
وذلك بسبب غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن المشهد السياسي في البلاد، وإنهاء ما يعتبرونه حالة «انهيار الدولة»، وكتب نور الدين بوكروح وزير التجارة الأسبق، وأحد مرشحي انتخابات الرئاسة عام 1995، في صفحته بـ«فيسبوك» معلقًا على الأخبار الكاذبة التي نشرتها إحدى القنوات الجزائرية الخاصة ونسبتها لبوتفليقة، أنه: «إذا كانت الأحداث التي نسبت لرئيس الجمهورية مصدرها هو حقًا، فهذا يعني أننا لم نعد أمام رجل منتقص جسديًا فقط، بل نحن أمام رجل عاجز ذهنيًا مما يستلزم تنحيته حتمًا لما في أفعاله وأقواله من خلط. وهو الأمر الذي قد يجعل البلاد أمام خطر داهم»، مطالبًا الجيش  الجزائري باتخاذ موقفٍ له بالتدخل لإنهاء هذه «المهزلة».
الجيش الجزائري يرفض نداءات الجزائريين لإنهاء حكم بوتفليقة
الكل يطالب، سرًا أو جهارًا أو ضمنيًّا بالانقلابات العسكرية، نذكره، بأن جيشنا سيظل جيشًا جمهوريًّا ملتزمًا بالدفاع عن السيادة الوطنية وحرمة التراب الوطني، حافظًا للاستقلال، جيشًا لا يحيد أبدًا عن القيام بمهامه الدستورية مهما كانت الظروف والأحوال.بصريح العبارة «لن يحيد الجيش عن مهامه الدستورية» ردّت قيادة الجيش الجزائري على دعوات الانقلاب التي تصاعدت في الفترة الأخيرة من طرف السياسيين والنخب الجزائرية، الذين طالبوا المؤسسة العسكرية الجزائرية بالتدخل لعزل بوتفليقة، رفض الجيش للانقلاب جاء في افتتاحية مجلة «الجيش» لشهر سبتمبر (أيلول) الجاري، والتي تعدّ الناطقة باسم المؤسسة العسكرية، وقالت افتتاحية «الجيش»: «لكل من يطالب سرًا أو جهارًا أو ضمنيًّا بالانقلابات العسكرية، نذكره بما قاله الفريق نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح، خلال زياراته الأخيرة لكل من الناحية العسكرية الثانية (غرب) والخامسة (شرق)؛ سيظل جيشنا جمهوريًّا، ملتزمًا بالدفاع عن السيادة الوطنية، وحرمة التراب الوطني، وحافظًا للاستقلال ولن يحيد عن مهامه الدستورية» وكان بوتفليقة قد ترأس مطلع الشهر الحالي اجتماعًا لمجلس الوزراء رفقة الوزير الأول الجديد «أحمد أويحيى» خصص لدراسة مخطط عمل الحكومة الجديدة والمصادقة عليه، وذلك في أول ظهور له منذ أشهر، من جهته انتقد كلٌ من رئيس المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة دعوات تطلقها المعارضة لتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بدعوى شغور منصب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب عجزه.
لماذا لم ينقلب الجيش الجزائري على بوتفليقة؟
سؤالٌ صال وجال في بالِ ملايين الجزائريين، وهذا بعد العجز الكبير للرئيس بوتفليقة، وتوفر كل الأسباب التي من شأنها أن تعجل من تطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري، لكن هناك بالطبع أسبابًا لذلك، نجملها فيما يلي:
1- سيطرة بوتفليقة على المؤسسة العسكرية
تعتبر المؤسسة العسكرية في الجزائر صانعةً للرؤساء حيث لم يفت الجيش الجزائري أي فرصة لصناعة رؤساء الجزائر، وهذا ما حدث مع بوتفليقة سنة 1999، لكن سرعان ما عالج بوتفليقة الوضع في فترته الرئاسية الثانية التي حاز بها الشرعية الشعبية، التي مكنته من السيطرة على المؤسسة العسكرية، هذه السيطرة تجلت في تقديم الفريق «محمد العماري» رئيس أركان الجيش الجزائري يوم الاثنين 3 آب (أغسطس) 2004 استقالته رسميًا «لأسباب صحية»، إلى بوتفليقة، وليعين بوتفليقة قائد القوات البرية الفريق «أحمد قايد صالح» خلفًا له، ويبسط سيطرته المطلقة على المؤسسة الأمنية بإقالة «الجنرال توفيق» (محمد مدين) في سبتمبر 2015، وهو الذي استلم رئاسة جهاز المخابرات العسكرية منذ 1990، ويقوم بتعيين اللواء «بشير طرطاق» مكانه، وهو أحد مستشاري بوتفليقة للشؤون الأمنية.
2- دعم فرنسا لبوتفليقة في خضمّ الحديث عن عجز بوتفليقة، وارتفاع الأصوات المطالبة للجيش الجزائري بعزل «الرئيس العاجز»، يبرق الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» لبوتفليقة برسالة يعبر فيها عن إشادته بالالتزام الحاسم لبوتفليقة من أجل تطوير الشراكة التي تربط الجزائر وفرنسا والتي وصفها بالاستثنائية وذهب ماكرون في مديحه لبوتفليقة لأبعد حدٍ إذ وصف فترة حكم بوتفليقة بقوله «لم يسبق عبر التاريخ أن بلغت العلاقات بين بلدينا مثل هذا المستوى من الامتياز والكثافة كما حدث في فترة حكمكم».رسالة ماكرون الداعمة لبوتفليقة جعلت كلَ من يفكر في الانقلاب على نظام بوتفليقة يفكرّ جيدًا أن فرنسا لن تسمح بقلب حكم رئيس تعتبره الأفضل في تاريخ الجزائر.وكان بوتفليقة أو عبد القادر المالي (المسمى الثوري لبوتفليقة)، قام بتنازلات اقتصادية كبيرة لفائدة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند أثناء زيارة الأخير للجزائر سنة 2012 وتم عقد مجموعة الاتفاقيات مع الشركات في صناعة السيارات مثل «رونو»، وشركة «تسيير ترامواي» و«ميترو باريس».
3- الخوف من الفوضى.. طوق نجاة بوتفليقة
باتت الحدود الجزائرية الجنوبية والشرقية ملغومة إلى حدٍ كبيرٍ، فبينما تترّبص وتنتظر المجموعات العسكرية المتواجدة في كلٍ من  ليبيا ومالي أي فرصة للتسلل إلى الجزائر، تعمل الجزائر على ضبط حدودها جيدًا، إذ وضعت قيادة الأركان الجزائرية الجيش  الجزائري على أهبة الاستعداد، وأعلنت الحدود مع ليبيا ومالي مناطق عسكرية، ويرابط على الحدود المالية والليبية عشرات الآلاف من الجنود الجزائريين في وقتٍ تعرف فيه الأوضاع بليبيا ومالي تدهورًا كبيرًا في ظلِ انتشار جماعات إسلامية مسلحة، وتحشى الجزائر من الرجوع إلى عصر الفوضى التي كانت قد عايشته في التسعينيات من القرن الماضي، هذا التهديد المحتمل للجزائر يدفع الجزائري في التفكير فقط في حماية البلاد، ولا يترك الفرصة للمؤسسة العسكرية في التفكير في الانقلاب.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*