الآن
لماذا تبني إسرائيل جدارا عازلا على الحدود المصرية

لماذا تبني إسرائيل جدارا عازلا على الحدود المصرية

* مارتن كيفن 
أفادت أكثر من صحيفة إسرائيلية بينها، «يديعوت أحرونوت» و«تايمز أوف إسرائيل»، الجمعة الماضية، بأنّ إسرائيل تخطط لبناء جدار عازل ضخم تحت الأرض، على الحدود المصرية الإسرائيلية، لمنع «داعش» في سيناء الذي يحمل اسم «ولاية سيناء»، من حفر أنفاق عبر الحدود للتسلل في إسرائيل وتنفيذ هجمات فيها.

إنّ إسرائيل صدّقت بالفعل على بناء المرحلة الأولى من الجدار بمسافة كيلومتر واحد جنوب قطاع غزة، وهو ما يُساعد جيش الاحتلال الإسرائيلي «على تحديد أيّ أنفاق تُحفر في سيناء، ومع استمرار البناء فإنّ الجدار سيمتد لمسافة 3 كيلومترات» بحسب الصحف الإسرائيلية التي لفتت إلى أن الجدار سيستكمل خلال نحو عامٍ ونصف بتكلفة تبلغ 3.4 مليار شيقل، وهو ما يوازي نحو 980 مليون دولار، ويأتي ذلك الجدار العازل تحت الأرض، ليضع المزيد من التدابير الأمنية الاحترازية الإسرائيلية، على الحدود بين إسرائيل وسيناء، الممتدة لـ245 كيلو متر، والتي يحميها سياج اكتمل بناؤه عام 2013.اللافت أيضًا أنّ بناء ذلك الجدار العازل يأتي بعد نحو ستة أشهر من تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان في فبراير (شباط) الماضي، أنه بالرغم من أنّ «داعش» في سيناء «مزعج لإسرائيل» فإنه لا يمثل تهديدًا خطيرًا لأمن إسرائيل، ولكن يبدو أن ذلك الإزعاج تصاعد لتُقدم إسرائيل على خطوة الجدار العازل.إن ولاية سيناء تراقب إسرائيل وإنها مسألة وقت حتى تحول ولاية سيناء اهتمامها إلى إسرائيل لتبني هجمات إرهابية خطيرة هناك.وعبّرت صحيفة يديعوت أحرونوت بوضوح عن المخاوف الإسرائيلية من تصاعد خطر  تنظيم داعش، وقالت: إنّ بناء الجدار جاء بعد «عجز النظام المصري في شل حركة تنظيم الدولة في سيناء، واستئصاله منها» وخشية امتداد عملياته إلى إسرائيل، ولفتت إلى أنّ «الجيش المصري يشن حرب استنزاف طويلة ضد داعش في سيناء، ولكن لم يحقق بعد انتصار صريح يشطب الإرهابيين من شبه الجزيرة».وفي السياق ذاته، اعتبر عمر جادي ياركوني، الرئيس  المحلي لمجلس مدينة أشكول المحتلة القريبة من الحدود المصرية الإسرائيلية، إقامة الجدار خطوة ضرورية ومطلوبة لتوفير الحماية القصوى، للُمقيمين بالمدن الحدودية، الذين يتأثرون  بالحرب التي تحدث في مصر (ضد  داعش)، ومنع التسلل إليها من خلال الأنفاق، التي سيعيقها الجدار العازل.
لماذا لا يعطي السيسي سيناء للفلسطينيين مثلما حدث في «تيران وصنافير»؟
إنه بالرغم من معاهدة السلام كامب ديفيد التي تجمع بين مصر وإسرائيل، فإن حدودها «أقل أمانًا» من الحدود مع سوريا ولبنان، مشككًا في قدرة أو رغبة الحكومة المصرية في حسم المعركة مع «تنظيم الدولة»، عندما قال: «أن الحكومة المصرية منذ سنوات لا تستطيع إدارة المعركة مع تنظيم الدولة أو أنها لا تريد حسم المعركة» لافتًا أن ذلك الأمر يطرح سؤال مفاده: «لماذا لا يكون الحل عبر إعطاء سيناء للفلسطينيين، كما حدث مع تيران وصنافير التي تخلى عنها السيسي للسعودية؟»وعلى الجانب المصري، تعاطي محللان مصريان مع هدف إسرائيل بناء جدار عازل بشكلٍ متباين، بين منع خطر «داعش» أم حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، ولم تختلف وجهة نظر اللواء رفيق حبيب، مساعد وزير الداخلية المصري السابق، عن وجهة النظر الإسرائيلية المعلنة، بتأكيده أن الجدار يستهدف منع «الجماعات التكفيرية»، ومنها ما يحمل اسم «بيت المقدس» (الاسم السابق لولاية سيناء)، من تنفيذ عمليات إرهابية داخل إسرائيل تبريرًا لحمل ذلك الاسم، ولـ«كسب التعاطف بعد أن باتوا بين المطرقة والسندان ويواجهون بالكراهية بين أهالي سيناء»إن إسرائيل تعرف أن تلك الجماعات التكفيرية تريد مهاجمتها، ولذلك تأخذ إسرائيل احتياطاتها، لتصبح العمليات الإرهابية «داخل الأراضي المصرية فقط» على حد تعبير حبيب، الذي أنكر ما اعتبره إسرائيليون إخفاقًا أمنيًا مصريًا في مواجهة الإرهاب، عندما قال «قوى الأمن (المصرية) نفذت عمليات استباقية عديدة سبقتها جهود استخبارية كبيرة… والعالم كله يتعرض لضربات إرهابية».ومن ناحية أخرى، كان للدكتور عصام عبد الشافي، مدير المعهد المصري للدراسات السياسية، وجهة نظر مختلفة عن حبيب، إذ ربط عبد الشافي بين بناء إسرائيل للجدار وحركة «حماس»، وقال: إن التحدي الأكبر لـ«الكيان الصهيوني وشريكه الانقلابي في مصر ليس الجماعات المسلحة في سيناء، بل المقاومة الفلسطينية ممثلة في حماس والجهاد الإسلامي».يبدو أنّ إسرائيل بإقبالها على خطوة بناء جدار عازل، لم تكتفِ بالتنسيق الأمني المسبق بين مصر وإسرائيل في مواجهة ولاية سيناء، والذي وصل لمراحل «غير مسبوقة»، بعدما زادت عمليات تنظيم «ولاية سيناء» في أعقاب بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، وكان آخر علامات ذلك التنسيق تدمير الجيش المصري ستة أنفاق في فبراير (شباط) الماضي؛ مما أثار المخاوف الإسرائيلية من تنفيذ «ولاية سيناء» عمليات في إسرائيل من شبكة تحت الأرض.ويجمع بين مصر وإسرائيل تنسيق أمني وُصف بـ«الكبير» على لسان الجنرال يعقوف عميدرور الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، هذا التنسيق يتخذ التنظيمات المسلحة المتشددة في سيناء هدفًا رئيسًا له، وهو تنسيق لفت إليه أيضًا إيلي كارمون الباحث الإسرائيلي في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، تعليقًا على سقوط صواريخ في إيلات من ولاية سيناء، في فبراير (شباط) الماضي، الذي اعتبره أول هجوم من سيناء على إسرائيل منذ عامين، عندما قال لوكالة الأنباء الفرنسية إن «إسرائيل تزود الجيش المصري بمعلومات استخباراتية حول الجهاديين، لكنها تحاول ألا تتورط بشكل مباشر».وبالرغم من التحفظ المصري حول الإفصاح عن التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل لمواجهة الجماعات المسلحة المتشددة في سيناء، إلا أن الجانب الإسرائيلي دائمًا ما يشيد بين الحين والآخر بهذا التنسيق، من خلال مسؤولين حاليين وسابقين ووسائل الإعلام الإسرائيلية. وفي تموز2016، قال السفير الإسرائيلي في القاهرة حاييم كورين: بوضوح إنّ «هذه واحدة من أفضل الفترات من حيث التعاون بين الحكومتين»، يقصد مصر وإسرائيل، في تعبير مشابه لما ذكره يائير جولان نائب قائد الجيش الإسرائيلي، عندما قال: إن العلاقات الإسرائيلية المصرية «لم تكن أفضل حالًا مما هي عليه اليوم»، مضيفًا في تصريحات لـصحيفة هآرتس الاسرائيلية، «إن الأمر لا يتعلقُ بعلاقة عاطفية، وإنما بتقاسم قيم مشتركة». السفير الإسرائيلي أكّد أيضًا حالة التعاون الجيدة بين الجيشين و«التفاهمات حول سيناء».وفي التفاصيل، كشف مسؤول إسرائيلي سابق تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات جوية من طائرات بدون طيار في شبه جزيرة سيناء، خلال السنوات الأخيرة، بعد علم النظام المصري وموافقته عليها، وقال المسؤول الإسرائيلي السابق تلك التصريحات لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 11 يوليو (تموز) 2016. الصحيفة ذاتها، أكدت في تقريرها أنه منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر عام 2013، «دخل البَلَدَان شيئًا يشبه العصر الذهبي في العلاقة بينهما»، واصفةً العلاقات الاستخباراتية بينهما بـ«الوثيقة».وذكرت الصحيفة الإسرائيلية إن «إسرائيل قد سمحت لمصر بتحريك أسلحة ثقيلة من دبابات ومدفعيات ومروحيات هجومية إلى داخل سيناء لمحاربة المتطرفين»، مع غض الطرف عن بعض بنود في معاهدة السلام كامب ديفيد التي وقعت بين البلدين عام 1979. على حد تعبير الصحيفة الإسرائيلية.وهو ما أكدته أيضًا صحيفة «إسرائيل إنترناشيونال نيوز» في تقرير لها يعود إلى نيسان الماضي، لفتت فيه إلى أن إسرائيل خففت في السنوات الأخيرة، من تمسكها بشروط معاهدة السلام، فيما يخص تعداد القوات المصرية المسموح به في المعاهدة. من خلال السماح لمصر بإرسال قوات لها في شبه جزيرة سيناء لـ«محاربة التمرد الإرهابي المستمر هناك».واستشهدت الصحيفة بأن إسرائيل، سمحت لمصر، بإرسال المزيد من قواتها إلى سيناء، لمواجهة الاضطرابات التي تبعت الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، كما لفتت الصحيفة إلى أن طائرات سلاح الجو المصري، مرت في ديسمبر (كانون الأول) 2015، عبر الأجواء الإسرائيلية كجزء من حملة عسكرية مصرية ضد جماعة «ولاية سيناء»، وهو ما أكدته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، لافتًة إلى أن مسؤولي وزارة الدفاع الإسرائيلية اعتبروا ذلك الاختراق «غير خطير» (على إسرائيل)، مؤكدين تركيز النظام المصري على محاربة ولاية سيناء.وبلغة أكثر وضوحًا تحدّث رون بن يشاي الخبير العسكري الإسرائيلي بشأن التنسيق المصري الإسرائيلي في سيناء، مُحذرًا من أن تظل غاراتها على مناطق في سيناء بطائرات دون طيّار أمرًا غامضًا.ولفت بشاي خلال مقالٍ نشره بصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، في يوليو (تموز) 2016، إلى «أنّ العادة جرت على ألا تنفي إسرائيل الهجمات في سيناء أو تؤكدها ، وأنها قد تكون حذرة من التعليق خشية إثارة الرأي العام أو النظام المصري، فقد يبدي الأخير تذمره من استهداف الكرامة الوطنية». المثير للاهتمام كان توصيف بشاي للاختراق الإسرائيلي للمجال الجوي المصري بـ«الانتهاك الفاضح للسيادة المصرية»، ومع ذلك لم توقف تلك الغارات التعاون المصري مع إسرائيل ومن بين الغارات التي شنتها إسرائيل على سيناء ضد عناصر «ولاية سيناء»، ما وقع في آب 2013، أثناء إعدادهم لصواريخ كانوا ينوون إطلاقها على إسرائيل، ذلك بالإضافة إلى مقتل عدد من قادة «أنصار بيت المقدس» عقب استهدافهم بطائرات استطلاع إسرائيلية في أيار2014.ويبدو أن تلك الضربات لا تكون صائبة دائمًا في استهدافها عناصر التنظيمات المسلحة في سيناء، فأحيانًا توقع ضحايا مدنيين، ففي مساء يوم 20 يناير (كانون الثاني) قُتل ثمانية مدنيين، وأصيب آخر، إثر سقوط قذيفة على منزل جنوبي مدينة رفح الواقعة شمال سيناء، وذلك بحسب «بي بي سي»، التي لفتت إلى عدم إعلان أية جهة مسؤوليتها عن الحادث، ولكن نشطاء سيناويين أكدوا وقوف طائرات إسرائيلية وراء الهجوم، الذي أسفر بحسبهم عن مقتل 10 مدنيين بينهم طفل.وفي المقابل، لا يبدو خطر «ولاية سيناء» على إسرائيل كبيرًا، فمنذ إعلان جماعة أنصار بيت المقدس بيعتها لـ«داعش» في تشرين الثاني2014، لم تتعدَ ضربات ولاية سيناء التي وجهتها لإسرائيل مباشرةً، ثلاث ضربات لم تُسفر في مجملها عن أية إصابات آخرها في نيسان الماضي، عندما تبنّت ولاية سيناء إطلاق صاروخ وقع جنوبي الأراضي المحتلة، ولم يسفر عن أي خسائر بشرية، وقبل ذلك الهجوم بشهرين تبنّت  ولاية سيناء عملية إطلاق أربعة صواريخ على إيلات في شباط الماضي لم تسفر أيضًا عن أيّة إصابات، وهي ثاني عملية تستهدف إسرائيل، وتتبناه جماعة «ولاية سيناء»، ووقعت أول عملية في إسرائيل تتبناها ولاية سيناء، في تموز 2015 عندما انطلقت صواريخ ولاية سيناء من سيناء، لتسقط في جنوب إسرائيل دون أن تسفر عن أية إصابات.وقبل إعلان «جماعة أنصار بيت المقدس» بيعتها لـ«داعش»، برزت جهودها في استهداف خطوط مد إسرائيل بالغاز المصري عدة مرات، في استهداف يمكن وصفه بـ«غير المباشر» لإسرائيل، ذلك إضافة إلى بعض العمليات التي استهدفت إسرائيل في نهاية آب 2012، ومطلع 2013.

* كاتب ومحلل 
سياسي امريكي

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*