الآن
كيف هزَّ «الشيوخ الصغار» الشرق الأوسط

كيف هزَّ «الشيوخ الصغار» الشرق الأوسط

*راسل لوكاس 
ربما يؤمّن شيوخ اليوم الصغار انتقال السلطة إليهم على حساب استقرار حكم عائلاتهم المالكة.
حاولت الدراسات الغربية الحديثة عن سياسات الشرق الأوسط التوصل إلى الأسباب الحقيقية وراء شنّ السعودية والإمارات هجومهما الدبلوماسي على جارتهما قطر. وفي حين عزت العديد منها الأمر إلى مساعي تأمين أركان الأنظمة الخليجية القائمة، تُظهر الأحداث الأخيرة ارتباط آليات اتخاذ القرار بهدفٍ آخر وهو تأمين توارث السلطة. 

بن سلمان .. الصعود إلى القمة
شهدت أنظمة الحكم في بعض دول الخليج العربي متغيرات مهمة في السنوات الأخيرة، مع صعود جيل جديد من الشاب لتولي المناصب العليا، حيث دأبت دول الخليج في الآونة الأخيرة وكما نقلت بعض المصادر، على تكليف الشباب مناصب حساسة في خطوة غير مألوفة في منطقة اعتادت حكاماً ثمانينيين وسبعينيين في احسن الاحوال، غيّرت الصورة النمطية في السعودية وقطر والإمارات خصوصا، مثيرة تساؤلات عما يمكن أن يغيره هذا الجيل الجديد من الحكام في مجتمعات محافظة. ويرى بعض المراقبين ان هذه الخطوات والمتغيرات التي اعقبت ما بات يعرف بثورات الربيع العربي في بعض البلدان، ربما ستسهم في استقرار بعض دول الخليج باعتبارها أصبحت تدار بعقلية شابة وطموحة، تسعى الى اعتماد خطط وسياسات جديدة ومختلفة تتماشى مع احتياجات وتطورات المجتمع الخليجي. ويرى البعض الأخر ان تولي بعض الشخصيات الشبابية المندفعة يمكن ان تسهم بتفاقم المشكلات والأزمات الحالية بسبب قلة الخبرة السياسية والمغامرة.وقد عين محمد بن راشد ثمانية وزراء اماراتيين معدل أعمارهم 38 سنة، وأصغرهم امرأة في الثانية والعشرين لوزارة الشباب. وعين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، محمد بن عبد الرحمن، وهو في الخامسة والثلاثين، وزيرا للخارجية. وكان تميم نفسه تسلم السلطة عام 2013، وهو في الثالثة والثلاثين، إثر تنازل والده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني له عن المنصب، ليصير أصغر الحكام العرب ‏سناً، بفارق أكثر من 15 عاماً عن أصغر من يكبره من الزعماء العرب وعقود عن أكبرهم .‏ يضاف الى ذلك تعيين الملك سلمان بن عبدالعزيز ابنه الأمير محمد بن سلمان، وهو في مطلع الثلاثينات، وليا للعهد، إضافة الى منصبه وزيراً لدفاع أكبر مؤسسة عسكرية خليجية ورئيسا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.حيث بات يلقب «الرجل القوي» في السعودية. هو يعتبر على نطاق واسع مهندس التدخل السعودي العسكري في اليمن. وقد أعلن سلسلة اصلاحات اقتصادية ضخمة من شأنها إعادة تشكيل اقتصاد البلاد لمواجهة هبوط أسعار النفط في ما سيكون أكبر تغيير للسياسة الاقتصادية للمملكة. وفي كانون الاول الماضي، أطل بنفسه ليُعلن تشكيل التحالف الإسلامي العسكري.وليس بعيدا من هذا السياق، اختارت سفيرها في واشنطن عادل الجبير خلفاً لسعود الفيصل، مهندس ديبلوماسية المملكة. وفي الامارات وقطر والسعودية، تتسلم وجوه شابة مراكز قرار في خطوة لم تعهدها الدول الثلاث، وقد تؤسس لمرحلة جديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية. الباحثان في مؤسسة»راند» بيكا واسر وجيف مارتيني رصدا التحولات في منطقة الخليج بعد سنوات من الزعماء الثمانينيين، والاثار المحتملة لتبدل وجوه القيادة الخليجية التي تصير أكثر شباباً. فمع أن أكثر الملوك ورؤساء الدول كبار في السن، ولت في رأيهما الايام التي كان المسنون يحتكرون فيها القيادة في كل الميادين، وصار مألوفاً تعيين ولي عهد أو وزراء رئيسيين في الاربعينيات أو الخمسينات.بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في 2015، خلفه أخوه الملك سلمان بن عبد العزيز البالغ من العمر 81 عامًا، وعند تلك النقطة اضطربت آليات انتقال السلطة السعودية، التي كانت في المعتاد مبهمة تغيب عنها الأحداث الساخنة. ألغى الملك سلمان خطط أخيه لانتقال السلطة، فعزل الأخ الأصغر مقرن بن عبد العزيز من ولاية العهد، ثمَّ تبع ذلك عزل محمد بن نايف، ابن أخي سلمان الأكبر.في حين صعد نجم محمد بن سلمان، البالغ من العمر 31 عامًا، ليتولى منصب وزير الدفاع ومنه إلى ولاية العهد. يُشير لوكاس إلى أن بن سلمان يُعدُّ مهندس التدخل في حرب اليمن الأهلية بقيادة السعودية، وأن حصار قطر على ما يبدو كان بمبادرة منه، وبالطبع الخطط الاقتصادية الكُبرى المعروفة باسم «رؤية السعودية 2030». هذه السياسات الخارجية والداخلية تستهدف خدمة أجندة الأمير الصغير وهز ركائز السياسة السعودية ولم يكُن صعود بن سلمان خاليًا من التوترات تناولت التقارير كواليس الساعات الأخيرة لمحمد بن نايف في ولاية العهد وكيف أزيح عنها بالاحتجاز والإجبار على التنازل ومع الشكوك المحيطة بصحة الملك سلمان ربَّما يعتلي ابنه الثلاثيني عرش المملكة بعد وفاته قريبًا.
بن زايد .. الرجل الأهم
 في الإمارات
داعمٌ آخر لحصار قطر هو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد الإمارات. يتولَّى محمد البالغ من العمر 56 عامًا أغلب مهام القيادة بتفويضٍ من أخيه الأكبر، خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات وحاكم إمارة أبو ظبي.ولا يخفى على مراقبي الشرق الأوسط دور محمد بن زايد بالغ الأهمية في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية لأبو ظبي، وبالتبعية باقي إمارات الاتحاد، خاصةً بعد تدخل أبو ظبي لإنقاذ دبي ماليًا من أزمة 2008، ما أدَّى إلى التهميش الواضح لحاكمها، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من قيادة الاتحاد.
بن حمد.. العدو المشترك
تحالف «الشيخان الشابَّان» بن سلمان وبن زايد في وجه عدوهما المشترك، الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، البالغ من العمر 37 عامًا.النزاع بين السعودية والإمارات وبين قطر تضرب جذوره في توازنات القوى الجيوسياسية الإقليمية فقد نجحت حكومات الخليج في الخروج بسلام من موجة الاحتجاجات الشعبية التي ضربت المنطقة في 2011، عن طريق «الاستخدام الحصيف للمقدرات الاقتصادية والتاريخية» على حد قول لوكاس.لكن اختلفت استجابة الجانبين لأصداء الربيع العربي والنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. دعمت قطر الأصوات الجديدة مثل شبكة قنوات الجزيرة التليفزيونية المتمركزة في الدوحة، ولاعبين سياسيين أبرزهم جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وفي المقابل، تحركت السعودية والإمارات لتأمين الأنظمة الاستبدادية. وفي ذلك تنافست قطر مع خصومها الخليجيين، في عدة ساحاتٍ منها البحرين ومصر وليبيا وسوريا.في 2013، توصلت قطر مع دول الخليج إلى عددٍ من الاتفاقات في محاولة لتخفيف حدة التوترات. وبعدها بأشهر تنازل الأمير حمد عن السلطة لصالح ابنه تميم، في قرار بدا مرتبطًا بهذه الاتفاقات. إلا أن النفوذ المستمر المحسوس لحمَد والد تميم أسهم في اشتعال الأزمة الحالية. كيف ستؤثر صراعات الخليج على انتقال السلطة في المنطقة. تتهافت قوى المنطقة على ملء الفراغ الذي خلفته سياسة الخندقة في عهد أوباما ثمَّ تبعته عشوائية الرئيس ترامب في تعاملاته الخارجية. سارعت دول الحصار إليه خدمةً لأهداف داخلية وخارجية. في السعودية، ربَّما كانت معارضة محمد بن نايف لحصار قطر هي القشة التي قسمت ظهر البعير وأطاحت به من مسار انتقال السلطة.أضِف إلى هذا أن الحصار يحمل رسالة إلى قادة الكويت وسلطنة عُمان، دولتان فضلتا التريث وعدم الانضمام إلى مقاطعة شقيقتهما الخليجية. هما أيضًا على أعتاب انتقالٍ في السلطة، مع بلوغ الأمير الكويتي الشيخ صباح الأحمد العقد التاسع من عمره، وتدهور الحالة الصحية للسلطان العُماني قابوس. في الوقت نفسه، قدَّم الحصار خدمة كُبرى لتميم بن حمد، إذ مكَّنه من الخروج من ظل والده بفضل موجة الدعم والالتفاف الشعبي حوله في مواجهة دول الحصار.أن جولات تأمين توارث السلطة بهدف تأمين نفوذ الأسر والعصب الحاكمة أدى سابقًا إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط. اجتاحت موجة من الانقلابات العسكرية قصور الخليج إضافة إلى مصر وليبيا والعراق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وفي التسعينيات رأى البعض اتباع الحكام الجدد في الأردن والمغرب والبحرين وقطر سياساتٍ شعبوية باعتباره إيذانًا بعهدٍ من الديمقراطية. لكن الأمر لم يكن كذلك.

*كاتب ومحلل سياسي أمريكي

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*