الآن

كيف جرى نقل أنموذج الانهيار المجتمعي من مصر الى العراق؟

د. عزيز الدفاعي

 

عندما قرأت كتاب الاقتصادي المصري الراحل كمال حسين (اقتصاد مصر) في الثمانينيات من القرن الماضي اصبت بصدمة فعلية لانه تناول الانهيار والاستنزاف في اقتصاد اهم واكبر دولة عربية غنية بمواردها تحولت من الطريق الوطني اللارأسمالي في ظل الناصرية حسب تعبير الكتاب السوفيت نحو اقتصاد السوق والنهب والمافيات والتزوير والتصاهر بين الطبقة السياسية الحاكمة ورجال الاعمال والمصارف والشركات العالمية متعددة الجنسيات  
وبعدها بفترة وجيزة التقيت في بغداد بالروائي المصري يوسف القعيد ودار بيننا حوار حول ظروف مصر وواقعها الاقتصادي ومستقبلها بعد تسلم مبارك لقيادة البلاد بعد اغتيال السادات في اكتوبر من عام 1981 وما تعانيه مصر التي يزداد سكانها بحوالي المليون وربع المليون نسمة كل تسعة اشهر مما يعني ان معدلات النمو السكاني في ظل التوزيع غير العادل للثروات لا تلبي الطلب الفاعل بل تستنزف ثروات مصر وعوائدها من قناة السويس ( تعادل كلفة المخدرات التي يتعاطاها المصريون ) وتحويلات العمالة المصرية والصادرات وهو ما يفرض على هذه الدولة قيودا سياسية وقرارات تضطر على مضض القبول بها والا واجهت المجاعة
في روايات كبار الكتاب المصريين من امثال الراحل نجيب محفوظ ومحمد تيمور وجمال الغيطاني ويوسف جوهر ونادية الكيلاني وكمال الاسواني وغيرهم التي تحولت خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين الى افلام ومسلسلات تابعناها في العراق ظهرت مشاهد حية من الاحياء العشوائية والفقر والمتسولين وطوابير العاطلين عن العمل وازقة بيع المخدرات مثل (الباطنية) وملاهي شارع محمد علي باشا باني نهضة مصر وعصابات الجريمة المنظمة التي تنفذ رغبات كبار الباشوات الجدد بالقتل والاختطاف والاغتصاب وسرقة الاطفال والاتجار بالاعضاء البشرية حين يستغل الفقراء والاغلبية المقهورة ببشاعة مفرطة وتنتشر الرشوة وتصبح عرفا بينما رجل الدين يمارس دور المخدر للعقول لا المحرض على الثورة لان مصيره السجن والاعتداء حتى على شرفه مما خلق الارضية لظهور جماعات دينية متطرفة مثل جماعة التكفير والهجرة والجهاد وغيرها
كل ما شهدته مصر كان ثمرة لمرحلة ما بعد اتفاقية السلام مع اسرائيل عام 1979و التصاهر بين الطبقة السياسية واصحاب المصارف والعصابات وتجار العملة واستغلال السياسيين واعضاء مجلس الشعب المصري لنفوذهم حيث يصل في كثير من الاحيان مشبوهون وعملاء وتجار عملة لاعلى المناصب الحكومية ويثري كثيرون من وراء ادخال البضائع الفاسدة من اللحوم والادوية وغيرها ويتم افقار عشرات الملايين من الكادحين مقابل ظهور طبقة ال 10% من اصحاب المليارات  
صورة للخراب والدمار والانسحاق الطبقي في مصر (ام الدنيا) كانت تثير حينذاك رعبنا والمنا وتخوفنا بل وتعاطفنا مع الملايين من الاشقاء المصريين الذين شحت عليهم لقمة الخبز في بلادهم وسيطر على مقدراتها واقتصادها عدد قليل جدا من رجال الاعمال الذين تتجاوز قيمة ثرواتهم في الداخل والخارج قيمة الدخل القومي المصري وهي تكفي لتسديد الدين الخارجي المصري والذين تركوا وطنهم وهاجروا الى العراق ودول الخليج بحثا عن لقمة خبز وحفنة دولارات
لم نكن نعلم حينها ونحن دولة نفطية غنية وذات ارض ومياه ان نفس هذا الانموذج للاقتصاد الطفيلي سينتقل للعراق وبدأت ملامحه الاولى ترسم خلال المرحلة التي اعقبت الحرب العراقية الايرانية وبدأت الوان البؤس اعمق خلال الحصار الامريكي على العراق وبعد عام 2003 انتقل الانموذج المصري كاملا على ارض بلاد الرافدين
هل هي الصدفة ام انها جزء من مخطط شيطاني لتمزيق الدول النامية ونخر الشعوب وافقارها واسقاط قيمها الاخلاقية تمهيدا لتركيعها واذلالها لتقبل باي شيء يرمى لها ما دام هناك طبقة من الكومبرادور ترتبط بالاقتصاد الرسمالي ؟
ما دفعني لكتابة هذا المقال حادثة سرقة كلية من جندي جريح ادخل الى المستشفى في بغداد