الآن
فرنسا و الإرهاب .. الزحف المتدرج نحو الشرق الأوسط

فرنسا و الإرهاب .. الزحف المتدرج نحو الشرق الأوسط

ما تزال فرنسا التي شهدت في 2015 و 2016 اعتداءات دامية عدة أوقعت العديد من الضحايا، هدف رئيس  للجماعات المتشددة لاسيما تنظيم داعش الإرهابي ، الذي سعى الى تنفيذ سلسة من الهجمات الوحشية في مناطق و دول مختلفة و منها فرنسا ، التي تشارك بشكل فعلي في العمليات العسكرية للتحالف الدولي الذي يحارب تنظيم داعش ، و قد اكد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن فرنسا تواجه "مستوى عال من التهديد" الإرهابي و تتصدى له عبر خطة تيقظ "عالية جدا أيضا"، كما قال جان مارك فالكون المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية إنه لا يوجد عناصر تشير إلى وجود تهديد آني لوقوع ، و لكن التهديد الإرهابي "ما زال مرتفعا جدا" في فرنسا و الدول الأوربية المشاركة في التحالف ضد تنظيم داعش. و قال فالكون في مقابلة مع صحيفة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية ، إن "أجهزة استخباراتنا تحلل يوميا مستوى التهديد . منذ أشهر عدة لا يزال مرتفعا جدا في فرنسا و الدول الأوربية ، و أضاف أنه "بعد تجربة اعتداء نيس (في 14 تموز / يوليو الماضي في جنوب فرنسا)، يؤكد لنا هجوم برلين ضرورة اتخاذ إجراءات أمنية مكثفة ، تشمل تحركات و مراقبة خلال التجمعات الكبيرة".
و يرى بعض الخبراء ان السلطات الفرنسية قد سعت الى اعتماد و إجراءات أمنية جديدة و خطط استباقية ، تهدف الى ضرب و تحجيم دور تنظيم داعش الارهابي داخل و خارج فرنسا ، من خلال دعم بعض الدول و القيام بعمليات خاصة ، لاستهدف بعض العناصر  و الشخصيات الارهابية ، و قد كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية في تقرير عن الكيفية التي تتخذ فيها القرارات و على أعلى المستويات في مؤسسات الجمهورية فيما يتعلق بتعقب و تصفية الأهداف الارهابية في سوريا و العراق و غيرها ضمن إطار الحرب ضد الإرهاب الإسلامي.
و اعتمدت الصحيفة على وثائق سريّة تمكنت من الحصول عليها تتضمن نقاشات و ترتيبات وإجراءات تنسيق مشترك بين إدارات الدولة الفرنسية (الجيش و المخابرات و القضاء و الخارجية) وصولاً إلى الرئيس هولاند الذي ، بحسب الصحيفة ، يتخذ شخصياً بعد مشاورات مع مجلس دفاع مصغر القرارات الحساسة حول مصير الارهابيين الذين "يضرّون بالمصالح الفرنسية".
و تشرح الصحيفة أن أحد أبرز الهواجس المحيطة بالعمليات الخارجية ضد الارهابيين هي التسويغ القانوني للغارات التي تستهدف الفرنسيين منهم خاصة و عمليات قتلهم التي تتم خارج نطاق القضاء و تنفذها القوات الخاصة . و كانت مذكرة سرية لمجلس الدفاع مؤرخة في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 قد نصحت بتوخي الحذر مع الإعلام و"الحديث عن هجمات ضد مراكز تدريب الإرهابيين في سوريا حين يتعلق الأمر بضربات ضد أهداف قد يكون بينهم مقاتلون فرنسيون".
و تعتمد فرنسا في حربها ضد الإرهاب  على خليط من العمليات الاستخباراتية و التصفيات و الضربات الجوية المركزة مازجة بذلك أساليب الحرب التقليدية و غير التقليدية ، و آخذة بعين الاعتبار على وجه الخصوص أن عمليات استهداف الارهابيين من الجيش و المخابرات الخارجية قد تضر بصورة الأجهزة و تجعلها عرضة للملاحقة القانونية في فرنسا.
و قد اعترف الرئيس هولاند خلال لقاءاته مع صحافيي "لوموند" بإصدار أوامر القيام بأربع عمليات من هذا النوع على الأقل بدون أن يكشف أسماء الارهابيين الذين تمت تصفيتهم ، غير أن الصحفي فانسان نوزي مؤلف كتاب "أخطاء قاتلة" قال إن عدد هذه العمليات يفوق بعشر مرات الرقم الذي قاله الرئيس . و هي عمليات يتم تصنيفها عادة تحت اسم "شؤون الدفاع السرية للغاية" و هو أعلى مستوى من السرية للوثائق الرسمية في الجمهورية الفرنسية.
فضلا عن المخابرات الخارجية النافذة ، تطرّق هولاند إلى الدور الذي تلعبه "القوات الخاصة" المرتبطة بقيادة الجيش في تصفية ما يسمى بـ"الأفراد ذوي القيمة العالية" من الارهابيين . و تدور هذه العمليات خاصة في منطقة الساحل الإفريقي منذ أن بدأت فرنسا تدخلها هناك عام 2013 و قد تمكنت ، بحسب وثيقة صادرة عن المخابرات العسكرية ، من تصفية 17 من ارهابيي تنظيمي "القاعدة في المغرب الإسلامي" و"المرابطون". غير أن هذه العمليات قد تكون مدفوعة أحياناً بدافع الانتقام من ارهابيين مارسوا أدوار مضرة بـ"المصالح الفرنسية"، عندها ، يقول الرئيس ، لا يكون واضحاً دائماً من يكون في السيارات المستهدفة حين يعطى أمر الضربة.
العراق أيضاً و لكن خاصة سوريا تشكلان المسرح الآخر للعمليات السرية الفرنسية منذ بدء تمدد تنظيم "داعش" في أراضي الدولتين و التي تكثفت على وجه التحديد مع العمليات الإرهابية التي تبناها التنظيم على الأراضي الفرنسية ضد جريدة "شارلي إيبدو". و وفق وثيقة عسكرية سرية مؤرخة في 17 حزيران / يونيو 2015، فقد قرر الرئيس "مواصلة دعمنا بشكل سري للمقاتلين الأكراد ضد "داعش" بدون أن يكون هنالك تدخل فرنسي مباشر و لا حتى عبر طائرات مراقبة.
مع حلول خريف العام نفسه بدأت سياسة فرنسا بالتغير و انتقلت إلى "ضرب العدو في معقله" في ظل التهديد الكبير الذي شكله تنظيم "داعش" لاسيما بعد هجومين فاشلين أولهما في نيسان /أبريل في ضاحية "فيلجويف" ثم في قطار "تاليس" في آب / أيلول . و مع مرور الوقت باتت المعلومات التي يحوزها الأمن الخارجي أكثر دقة لدرجة أنها نقلت إلى الرئيس صيف 2015 مخاوفها بشأن عبد الحميد أباعود ، المقاتل البلجيكي مع تنظيم "داعش" في سوريا و الذي يوصف بالعقل المدبر لهجمات باريس الإرهابية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015.
التصدي للمقاتلين الأجانب
و في هذا الشأن قال الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند خلال زيارة للعاصمة العراقية بغداد إن فرنسا ستحارب أي ارهابيين فرنسيين تجدهم في ميادين القتال في العراق و ستعتقلهم إذا عادوا لموطنهم وستعمل على نزع الفكر المتطرف عن أطفالهم . و قالت مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك نحو 60 مواطنا فرنسيا يحاربون في صفوف متشددي تنظيم داعش في مدينة الموصل الشمالية فحسب و إن مئات آخرين في باقي أنحاء البلاد و في سوريا . و قال أولوند خلال مؤتمر صحفي "سنحاربهم مثلما (نحارب) كل الارهابيين .. لأنهم يهاجموننا و لأنهم يعدون لهجمات على أراضينا."
و تابع إنه سيتم احتواء أطفال المتشددين و نزع الفكر المتطرف منهم . و قال ."نستعد لهذه العودة و لكيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال ." و قال الرئيس الاشتراكي الذي تعرضت بلاده لسلسلة من هجمات المتشددين في العامين الماضيين إن الجنود الذين يخدمون في التحالف بقيادة الولايات المتحدة يحولون من دون وقوع المزيد من عمليات القتل الجماعي في بلادهم . و قال أولوند "كل ما يسهم في إعادة إعمار العراق يعد خطوة إضافية لتجنب ضربات داعش على أراضينا."
و تراجعت شعبية أولوند بشدة منذ توليه السلطة وسط شعور بخيبة الأمل فيما يتعلق بإدارته للاقتصاد و الأمن الوطني . و قال إنه لن يرشح نفسه مرة أخرى في انتخابات الرئاسة هذا العام . و حذرت شرطة الاتحاد الأوربي (يوروبول) الشهر الماضي من خطر تزايد معدل عودة المقاتلين الأجانب .
و تحارب القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة لطرد التنظيم من الموصل آخر معقل كبير له في البلاد لكنها تواجه مقاومة شرسة . و قال أولوند إن استعادة الموصل ستستغرق على الأرجح أسابيع . و قال "داعش تتقهقر و داعش ستهزم.. سيكون هذا عام النجاح هنا ضد الإرهاب."
حرب طويلة
الى جانب ذلك و خلال زيارته للعاصمة التشادية نجامينا ، قال رئيس الحكومة الفرنسية برنار كازنوف أن بلاده تقف إلى جانب تشاد في أزمتها الاقتصادية و الاجتماعية ، و في حريها ضد الارهابيين المنتشرين في منطقة الساحل . و تشارك نجامينا في مكافحة "بوكو حرام" على الحدود بين تشاد و النيجر ، بعد أن تدخل الجيش التشادي إلى جانب الجيش الفرنسي في 2013 في مالي ، في إطار قوة الأمم المتحدة التي يشكل أحد مكوناتها.
و عدّ رئيس الوزراء الفرنسي برنار كازنوف أنه يجب "الاستعداد لحرب طويلة" ضد الإرهاب ، مشددا على دعم فرنسا لتشاد في مواجهة الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية التي تمر بها ، و على دورها المهم في مكافحة الارهابيين في منطقة الساحل . و قال كازنوف إن "مكافحة الإرهاب يجب شنها داخل حدودنا ، و لكن أيضا خارجها". و اختار رئيس الحكومة الفرنسية في أول رحلة إلى الخارج منذ تعيينه في السادس من كانون الأول / ديسمبر، منطقة في صلب الرهانات الأمنية لفرنسا و أوربا، نظرا لبؤر الارهابيين العديدة التي تضمها.
و أضاف كازنوف عقب لقاء جمعه بالرئيس إدريس ديبي إيتنو أنه "من أجل أن تكون هذه المكافحة ذات فعالية في الخارج ، يجب أن تكون لدينا شراكات مع دول صديقة تلتزم بالمدة وتتيح نجاح هذه الحرب التي ستكون معركة نفس طويل".
 و أشار أيضا إلى أن "فرنسا إلى جانب تشاد في أزمتها الاقتصادية و الاجتماعية". كازنوف : " علينا مضاعفة الجهود للاستعداد لحرب طويلة" ضد الإرهاب .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*