الآن
عهد ترامب و عالم التناقضات

عهد ترامب و عالم التناقضات

عرفان نظام الدين 
ينشغل العالم هذه الأيام بقدوم الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ليتولى قيادة الولايات المتحدة لفترة 4 سنوات مقبلة ، و يحكم من خلالها العالم في شكل أو في آخر في أجواء من التخبط و التناقضات و الصراعات . هذا فضلا عن السباق المجنون لحصد المكاسب و حجز مقاعد تشارك في القرارات المصيرية وسط حال من الفوضى لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ زمن طويل 
و كيفما اختلفت التحليلات و تباينت التوقعات من المقربين و الأبعدين ، فإن العالم في عهد ترامب سيكون مختلفاً جداً عما كان قبله ، لاسيما في السنوات الأخيرة من عهد سلفه باراك أوباما الذي أضاع هيبة الولايات المتحدة و أظهرها بمظهر الدولة الفاشلة و العاجزة عن اتخاذ أي قرار في شأن أي قضية صغيرة أو كبيرة ، في وجه هجمة شرسة من القيصر الروسي الذي ابتلع القرم و هدد نصف أوكرانيا و لمَّح إلى إمكان الانقضاض على دول أوربية صغيرة كانت تدور في الأفق الروسي . و جاء الاستثناء الوحيد الذي أتى متأخراً جداً عبر السماح بتمرير قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق بعدم شرعية المستوطنات الاستعمارية الصـــهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت و لم تستخدم « الفيتو»، أي حق النقض ، كما كان يجري في الماضي على رغم الصراخ الإسرائيلي و التهديدات الجوفاء و تنديدات ترامب و محاولاته تجميد البت بالقرار أياماً عدة ليتاح له عرقلته عندما يتسلم زمام الأمور.و أهمية هذا القرار تكمن في تكريس مبادئ الشرعية الدولية، و لا يلغيه إلا قرار آخر لن يتاح له أن يبصر النور لأسباب معروفة ليضع الجميع ، و أولهم ترامب ، أمام الأمر الواقع و البحث عن تسوية ضمن حل الدولتين وفق الحدود المنصوص عليها في القرارات الدولية التي لا تعترف بأي تغيير بالإكراه في الضفة الغربية و القدس الشريف.هذا القرار سيحرج إدارة الرئيس ترامب في وجه بنيامين نتنياهو و حكومته اليمينية المتطرفة و عتاة الصهاينة بعد الوعود التي أعطاها لهم مقابل دعمه بشراسة خلال معركته الرئاسية و السعي بكل الوسائل إلى تحطيم صورة منافسته هيلاري كلينتون ، فيما عدّ بعض المحللين أن أوباما أسدى خدمة مهمة لخلفه بتمرير القرار قبل تسلمه مهامه لتجنيبه الإحراج و تثبيت الموقف الأمريكي الرسمي من عدم الاعتراف بشرعية المستعمرات، وسط تساؤل عن مصير قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية . أما الشريك الآخر المساهم في إيصاله إلى سدة الرئاسة ، فهو بوتين الذي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي و وثائق «ويكيليكس» و ملفات الإنترنت ضد كلينتون، كما كشف عن اتصالات و تبادل رسائل سرية بينهما إبان المعركة و بعدها للاتفاق على أسس التعاون المستقبلي ، و ما الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق نار في سوريا سوى هدية استباقية من بوتين لتسهيل مهمة ترامب ، و بالتالي نزع فتيل التوتر بين البلدين و الانطلاق منها إلى ملفات أخرى تعطي زخماً للعهد الجديد و تعزز أواصر الثقة بين الرجلين . و رد أوباما الصاع صاعين لترامب و بوتين بقراره طرد عدد من الديبلوماسيين الروس بدعوى تدخلهم في الانتخابات الأمريكية.إلا أن الأمور لن تكون بهذه السهولة عندما تواجه حسابات حقل وعود الحملات الانتخابية مع حسابات بيدر الحكم و مسؤولية اتخاذ القرارات و مصالح الولايات المتحدة العليا ، على رغم كل الوعود البراقة و التمنيات البعيدة من الواقع و المتناقضة مع السياسات العامة الثابتة . فبالنسبة إلى «الصديق» بوتين ، يجمع المحللون و الخبراء على أنه سيكون من الصعب ، إن لم يكن من المستحيل ، على ترامب أن يذهب في المسايرة إلى آخر المدى ، إلا إذا تراجع الرئيس الروسي عن شراهته و طموحاته و خفف من غلوائه و قدم بعض التنازلات في مختلف المناطق و أولها في القرم و أوكرانيا ، ثم في مواقفه الصلبة ضد مشاريع الدرع النووي بعدما هدد بزيادة الموازنة العسكرية و إنتاج صواريخ مضادة للدروع، فضلا عن توسعه و امتداده إلى الشرق الأوسط ، منطقة المصالح الأمريكية ، و إقامة قاعدة حميميم الجوية و توسيعها لتصبح دائمة و توسيع قاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري و حصوله على امتيازات حقول النفط و الغاز البحرية و إمساكه بمفتاحي الحرب و السلام في سوريا المنكوبة بحرب قذرة منذ ٦ سنوات . و من التناقضات الأخرى في مواقف ترامب التي ستشغل العالم خلال فترة عهده ، إن أكمله، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
– قضايا الهجرة و اللجوء و وعده بطرد ٣ ملايين لاجئ أتوا من المكسيك و غيرها و وعوده بالتضييق على الجاليات المسلمة و مواقفه المعادية لها و للأقليات الأخرى التي تشكل جزءاً من النسيج الأمريكي القائم أساساً على تجمعات المهاجرين، بعد إكمال جريمة الإبادة العنصرية للهنود الحمر ، السكان الأصليين . و لا يستبعد أن تؤدي هذه السياسة إلى اضطرابات أمنية في شكل حروب أهلية صغيرة بين البيض و السود.
– النجاح الوحيد الذي يمكن أن يحققه ترامب يتمثل بإجراءات اقتصادية وعد بها و تتعلق بالضرائب و الاستثمار و دعم المشاريع الصغيرة ، إلا أن عزمه عَلى إلغاء قوانين أو تعديلها ، مثل الضمان الصحي و غيره ، سيؤدي إلى الإخلال بالتوازنات و إثارة مشكلات اجتماعية وسط تشكيك بقدرة الاقتصاد الأمريكي على النهوض بسرعة.
– بالنسبة إلى القضايا الخارجية، تشمل التناقضات كل مفصل من مفاصلها ، بدءاً من الموقف العدائي تجاه الأمم المتحدة إلى غموض السياسة الخاصة في العلاقات مع أوربا و تفضيل التعامل معها على أسس إفرادية و ليس كاتحاد متكامل . و ينطبق هذا الأمر على الحلف الأطلسي (ناتو) و مطالبته بتحميل أوروبا مسؤولية دفع حصصها.
– بالنسبة إلى سوريا ، ينتظر أن يتعامل ترامب بحذر بعدما وضعه بوتين أمام أمر واقع في الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بعد سباق مع الزمن عسكرياً و سياسياً ليرتب الأوضاع قبل أيام من تسلمه مهامه ، فضلا عن تخوفه مما تسرب عن تمرير عدد من الصواريخ المضادة للطائرات إلى المعارضة السورية. و يعترف ترامب بضرورة الحوار مع الروس. ويبدو أن الجشع واضح هنا عندما يتحدث ترامب عن نفط العراق و كأنه حق من الحقوق الشرعية للولايات المتحدة و يكرر القول مرات عدة : « نريد أن نأخذ نفط العراق» ثمناً لتدخلنا في قلب نظام صدام كأنه لم يكفه ما سلبوه من أموال النفط العربي و ما فرضوه من خوات شراء الأسلحة و المعدات و السلع الأخرى . و المؤسف أن سلبية العرب لا تعرف حدوداً و دفعتهم إلى الخنوع و التقاعس في المطالبة بأي حق من حقوقهم الشرعية و اللجوء للقضاء بالاستناد إلى الوثائق و الأحكام الصادرة في بريطانيا و الولايات المتحدة ، و التي تثبت أن الحرب على العراق كانت غير شرعية ، و أن كذبة أسلحة الدمار الشامل انفضحت بعدما تبين أنها غير موجودة أساساً إلا في مخيلة توني بلير وجورج بوش . كل هذه الوقائع تمنح العراق حق المطالبة بتعويضات تقدر بمئات البلايين من الدولارات جراء سقوط أكثر من مليون قتيل و حل الجيش لأسباب واهية و نهب الثروات و إحداث دمار لا يقدر بثمن . و قائمة التناقضات طويلة ، و من بينها العلاقة مع الصين و مواقف ترامب المتشددة و اتصالاته مع حكومة تايوان ، ما أثار نقمة الصينيين و التحذير من اختلال الموازين و الإضرار بالأوضاع الاقتصادية العالمية.إلا أن أكثر التناقضات بروزاً و إثارةً للاهتمام يكمن في التعيينات المتضاربة في قيادات البيت الأبيض و الإدارة الجديدة ، و التي شملت أبرز صقور الجمهوريين و دعاة الحروب و التوسع و إحياء مشروع «الشرق الأوسط الجديد» جنباً إلى جنب مع حمائم الحزب الحاكم و بينهم أصدقاء شخصيون لبوتين و غيره. أما حصة الأسد ، فكانت لإسرائيل التي تعد المنتصر الأول من كل هذه التناقضات والتعيينات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*