الآن
رحيم زاير في مجموعته الشعرية (أرى وحدتي ولا أراني ) .. العزلة وتجاذبات الذات والعالم

رحيم زاير في مجموعته الشعرية (أرى وحدتي ولا أراني ) .. العزلة وتجاذبات الذات والعالم

قراءة / ماجد الحسن
   إن الآلية التي تحكم الذات / العالم في الشعر هي آلية الكشف والتمثل، فالشاعر على وفق تلك الآلية يعيد تركيب (العالم) في متوالية دلالية تستند على خاصتي (التجاذب والتعالق) حيث يرى الشاعر أن العالم الخارجي مادة التجريب الشعري لا في أطر المسايرة معه بل في حدود التشاكل والتباين التي تحكم رؤاه الشعرية، ومن هذه الرؤى يمكن معاينة الذات التي تدخل في مغامرة الكشف عن العالم . من التصور السابق يتبين لنا ان هناك نوعاً من انواع الاحتدام الوجودي تحتشد به مجموعة (أرى وحدتي ولا أراني ) للشاعر رحيم زاير الغانم هذا الاحتدام بوصفه ثنائية بين ذات لها رؤيتها وعالم مشحون بالمعطيات والوقائع يعد بمثابة اللازمة الحتمية للمنعطف الانساني الذي تجسّده العزلة،
والجدير بالملاحظة أن عنوان المجموعة بوصفه موجهاً قرائياً يستدعي تلك الثيمة المتواترة في سياق النصوص مما تأسست على آلية دلالية قائمة على التداخل أو الانتقال من العالم الخارجي إلى الذات مما اصبحت تلك الثيمة تشكّل وحدة دلالية مكتملة الابعاد تحولت على اساسها المجموعة إلى نص متماسك الرؤى. 
  فالرؤية والعزلة تسلكان في المجموعة مسالك دلالية متعددة بتعدد التراكيب المضمونية المتشكّلة حسب سياق البناء النصي، إذن هناك علاقة (إسنادية) تتحد فيها (الرؤية) بوصفها فعل (كشف) والوحدة أو العزلة بوصفها (بنية سلوك)، وبناءً على هذا النمط من التصور الشعري تتداعى ثنائيات الذات والعالم الخارجي في ترادفها الدلالي وما تفرع عنهما من اضداد داخل حقلين مضمونيين وهما (الوحدة والمشاركة) اللذين تماهيا  بين اثبات الرؤية ونفيها، يتضح مما تقدم أن الثنائية الكبرى الذات / العالم تجترح لها مجمل ثنائيات، وإن النص الشعري قد اشتمل برمته على إدراكها على وفق تجليات لا تكشف عن قوانينها، بل عن ماهياتها في بنيات دالة وهي تلّم شتات الثنائيات المتوالدة في منطلق واحد للوصول إلى رؤيا كلية تصل إلى البنى العميقة للنص . 
  ثيمة (العزلة) تخضع في تمفصلاتها إلى الذات في مواجهتها العالم، على وفق معطيات البيئة والسياق وشروط انتاج النص، مما تقوم تلك المواجهة بدور مهم في انتظام الانساق التي تساير مقاصد المجموعة، وهذا التحول يسير عبر مستويات دلالية متعددة، وتمتد هذه الدلالات لتصبح الدلالة المركزية التي تتضمنها الوحدة أو العزلة بتجلياتها الصوفية التي يجتمع عندها طرفا الثنائية (الذات والعالم).
  ان دلالة (العزلة أو الوحدة) عند الشاعر بوصفها ثيمة مركزية وما يصاحبها من متواليات دلالية تشي عن شدة التوتر الإنساني  الناتج عن الشعور الحاد بمأساة الواقع، إذن هناك تداعٍ سياقي داخل المدونة الشعرية يتأسس على وعي بجدوى الحياة، ومن هنا يصبح النص الشعري عند رحيم زاير الغانم مؤسس على عملية تحول الذي ينظر إلى النص على انه مجال لتعدد القراءة في لعبة انتاج المعنى والدلالة، هذه اللعبة التي لا بد أن تدفع النص إلى صياغة تسمو بالقدرة التخيلية إلى مدى متعين.
  متى تحط عن غربتك الرحال؟
مدنك بيضاء
تناديك حاملة تلك الصور
عن سمال الأشرعة
ومرسى اعتلاه الشيب
وأنت هناك عالقاً بالصخر ص9
     الملاحظ ان النص في اعلاه يتأسس وينمو انطلاقاً من جملة التساؤل (متى) التي تتبعها مفردة (غربتك) هذه المفردة / البؤرة، لينتهي النص بجملة (وانت هناك عالقاً)، لقد اتخذ النص من هاتين الجملتين دالاً تصريحيا يؤشر ثيمة (العزلة)، وما يبرر هذا الاستدعاء ان هناك دوال متأسسة على علاقة التداخل والامتداد من بنية التساؤل إلى الاشارة بــ (هناك)، ومثل هذا الاشتغال هو الانتقال بثيمة (العزلة) من مستواها المعجمي إلى المستوى الدلالي، ذاته الاشتغال يتعلق في اغلب النصوص كما في النص الآتي:
بسراج
أضنته العتمة
أعجز من رؤية أحلامي ص 32.
  بين السراج كدال متعين والرؤية بوصفها بنية شديدة الصلة بالكشف، ثمة (عتمة) كدال على ثيمة (العزلة)، التي تمثل المحور المضموني الذي يدور في فلكه النص، وهذا الأمر يعكس ما بداخل النص من دال واحد يتشظى إلى مجموعة دوال،  إذن يشتغل النص الشعري في مجموعة (أرى وحدتي ولا اراني) على التعالق أو التجاور الذي من خلاله  تنتقل فيها المفردات والجمل من التصريح إلى اضمار المعنى، وفي ضوء هذا التعالق تتحول قراءة النص إلى عملية تأويلية لا غنى عنها لفهم آلية التداخل في التراكيب النصية،
أسمع
وأنا متخط الدروب
كلمات تدفعني للمسير
أستدل بعصاي
نازعاً عن الضوء انسداله ص 42.
  في النص نلمس نسقين وهما النسق العمودي كتراكيب لغوية ونسق أفقي كدوال، فالمقطع السابق يتشكل من مفردة محددة لتنتهي إلى دال، فالتخطي والاستدلال مثلاً بوصفهما مفردتين تزيدان من القوة الدلالية لثيمة (العزلة) وما يترشح عنها من تداخلات تفضي إلى الكيفية التي يتشكل منها النص، كما ان هذه الكيفية ارتبطت بنسق دلالي موحد، فمثلاً جملة (وانت عالقا بالصخر) في المقطع الذي ورد ذكره سابقاً، وكذلك (العجز) من رؤية العالم بدلالة (استدل بعصاي) ثمة انسجام واتساق ومواءمة تجتمع في موحيات دلالية واحدة، لتصب كل هذه الموحيات في نسيج  تنمو وتتصاعد فيه الثيمة الآنفة.      
  كثيراً ما نؤكد على ان النص الشعري يحوّر الواقع عن طريق الإيحاء، وهذه العملية تؤكد بدورها على أن (الذات) الشاعر تعطي للواقع تصوراً ذهنياً تخييلياً ذا ابعاد رمزية تؤسس لرؤيا شعرية تعيد فيه انتاج الواقع على وفق فلسفة المغايرة، بمعنى هناك انبعاث داخل النص يكشف عن ما وراء الواقع ولا يبتعد عنه، ولذلك باتت الحقيقة الشعرية هي من تتحكم في محور الثنائية الآنفة، فالحقيقة الشعرية هي من تقوم على العلاقة الإيحائية وهي علاقة مجاورة تشكل حضورها الرمزي والدلالي الكبيرين، على ان لا تقوم على علاقة المشابهة التي هي علاقة  تنتظم فيها الالفاظ والمفردات دون ان تدفع بالوعي الشعري لتجاوز الواقع.
   نجد ان نزوع الشاعر إلى تكريس ثيمة العزلة هو بحد ذاته نزوع إلى داخل الذات، من خلال تأكيده على كل ما هو روحي، بمعنى هناك إعادة النظر في الذات وحدود علاقتها بالعالم المتعين، إذن هناك كيفيات مضمونية تشكلت على وفق ابعاد دلالية لا تخرج عن اطار الثيمة السابقة، وهذا التشكل يدفع النص إلى التلذذ بالشكوى والمناجاة الذي اعتمده الشاعر رحيم زاير الغانم كوسيلة من وسائل التخصيب النصي الذي جاء على شكل دلالات متعددة  ليكشف لنا عن حقيقة الذات وخفاياها.
  نصل بالنتيجة إلى أن الموحيات الدلالية التي تشترك في بناء الحدث الشعري لا تتوقف عند المتعين في حدود الثيمة المنتخبة، بل خضعت هذه الثيمة لضوابط اعتمدت ما توحي به الدلالات  ألّامتعينة والمنبثقة من صلب البنية الداخلية للنص الشعري، كما أسهمت الكثير من الدوال والتي أشرنا البعض منها في  انجاز المعنى المراد المنبعث من صميم المستوى الدلالي، ولذلك نلمس تفاوتا دلاليا بتفاوت الحدث الشعري الذي حقق جدله الخاص والفاعل في تعامله مع تكريس الثيمة الآنفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*