الآن

خرافة إدوارد سنودن

إدوارد جاي إبشتاين

سرق سنودن أهم أسرار الولايات المتحدة في مايو (أيار) من عام 2013، ما دفع مدعين فيدراليين إلى رفع قضية تتهمه بالتجسس. كان الشاب الحالم بخدمة وطنه قد التحق بشركة بوز ألين هاملتون للعمل كمحلل تحت التدريب، والتي يقع مقرها في أحد مقرات وكالة الأمن القومي في هاواي. ولكن بعد التحاقه بالعمل بأسابيع قليلة، توقف عن الذهاب إلى العمل، وراسل رؤساءه مدعيًا أنه في المستشفى للاشتباه في إصابته بالصرع.

لكنه كان يكذب، كما يشير التقرير، فقد كان السيد سنودن في هونغ كونغ، ويحمل في جعبته بياناتٍ سريةً كان قد سرقها من وكالة الأمن القومي.تم التوصل أثناء تقصي تفاصيل الحكاية خلال الثلاث سنوات الماضية، إلى أن كل ما أدلى به سنودن تقريبًا كان زائفًا.تحت الاسم المستعار Citizen Four، راسل سنودن «لورا بويترس»، مخرجة أفلام وثائقية ألمانية، ومراسلًا لصحيفة الجارديان في البرازيل يدعى جلين جرينوالد، لما عُرف عنهما من انتقاد لأنشطة وكالة الأمن القومي. وقد أمدهما بآلاف الوثائق المسروقة، كان من بينها وثيقة خطيرة تطلب فيها محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية FISC من شركة فيرايزون للاتصالات تزويد الوكالة بسجلات فواتير عملائها داخل أمريكا. والأخرى تكشف قدرة الوكالة على اعتراض المكالمات الهاتفية خارج الولايات المتحدة، بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفدرالي عبر برنامج يحمل اسم بريزم.
«صدفة»
كشف السيد سنودن عن نفسه في مقطع مصور في يونيو (حزيران). وقد زعم أنه قد اطلع «صدفة» على بيانات أخرى أثناء بحثه في ملفات الوكالة، لكنه لم يأخذ سوى الملفات التي تكشف أنشطة الوكالة المشبوهة. لكن الوكالة أجرت تقييمًا للضرر الذي لحق بالولايات المتحدة جراء سرقة السيد سنودن لتلك الملفات. وقد تبين أن السيد سنودن قد سرق 1.5 مليون وثيقة. وقد أشار تقرير للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إلى أن سنودن قد سرب «أسرارًا تخص القوات الأمريكية المنتشرة حول العالم، وأسرارًا تخص التعامل مع الإرهابيين والدول المعادية. وهذا غيض من فيض مما بحوزة السيد سنودن». وقد أجرت وزارة الدفاع الأمريكية من جانبها تحقيقًا شارك فيه المئات من الضباط، فتبين أن معظم الوثائق المسربة تخص أسرارًا عسكرية، ولا علاقة لها بأي أنشطة مراقبة داخلية.المفزع في الأمر، هو أن معظم الوثائق المسربة تخص حزمة أدوات المستوى الثالث في وكالة الأمن القومي، وهو مصدر للوثائق يضم أكثر مصادر وأساليب الوكالة أهمية. ولطالما تمنت الدول المعادية الاطلاع على محتوياته، لكنها لم تفلح في اختراقه. يبدو أن سنودن كان عازمًا منذ البداية على سرقة تلك الأسرار. ففي حديث له مع صحيفة صينية، قال إن سعيه للعمل لدى شركة بوز ألين، ولو براتب بخس، كان بسبب أنها ستمكنه من الوصول إلى قائمة الحواسيب التابعة للوكالة حول العالم. وقد صرح رئيس فريق تقييم الأضرار أن إحدى الوثائق تسلط الضوء على أهداف الوكالة خارج الولايات المتحدة وشملت طلبات من لجنة الاستخبارات إلى الوكالة بإجراء عمليات تنصت على اتصالات في الخارج.
الجاسوس
انتقل سنودن إلى روسيا ليكون في حماية حكومتها ولم يعرف بعد ذلك إلى أين انتهى المطاف بتلك الوثائق وإنما سرت شائعات تفيد بأن السيد سنودن جاسوس مهمته تزويد صحفيين بعينهم بمعلومات حساسة. ادعى سنودن أنه لم يسعَ إلا لدق ناقوس الخطر، وأنه قد سلم الصحفيين في هونغ كونغ كل الوثائق المسروقة. وقال إنه كان يعتزم الانتقال إلى أمريكا الجنوبية، لولا أنه علق في روسيا بسبب شيطنة بلاده له، حيث زعم أن الحكومة الأمريكية قد أبطلت جواز سفره عمدًا، وهو على متن الطائرة، بعد أن ترك هونغ كونغ في 23 يونيو (حزيران)؛ لإجباره على الوقوع بين يدي فلاديمير بوتين. لكنه كاذب إذ إن وزارة الخارجية أبطلت جواز سفر السيد سنودن قبل أن يغادر إلى روسيا في التاريخ المذكور. وقد أكدت محطة إي بي سي الإخبارية الأمريكية نقلًا عن مسؤول في وزارة الخارجية أنه قد جرى إبطال جواز السفر في 22 يونيو (حزيران). إن محاولة سنودن الادعاء بأنه لم يكن على علم بملاحقة الحكومة الأمريكية له كاذبة؛ لأن أنباء تقديم دعوى جنائية ضده في 14 يونيو (حزيران) تصدرت وسائل الإعلام في هونغ كونغ. إن هذه النقطة لها أهمية كبرى؛ لأنها تؤكد تورط شركة طيران روسية مملوكة للحكومة في تهريب السيد سنودن إلى روسيا، مع أنه لا يحمل جواز سفر صالحًا، أو تأشيرة دخول لروسيا. وما يؤكد أن الأمر قد دُبر بليل، هو ما كشفت عنه صحيفة روسية بالقول إنه لدى هبوط الطائرة التي تقل سنودن في موسكو، اصطحبه فريق أمني من العمليات الخاصة. وقد كشف بوتين بنفسه في 2 سبتمبر (أيلول) من نفس العام أنه قد أعطى الإذن لسنودن.
أداة استخباراتية
كما أمد موقع ويكيليكس، الذي تتهمه إدارة أوباما أنه أحد أدوات الاستخبارات الروسية، يد المساعدة إلى سنودن، عندما ذهبت سارة هاريسون، نائبة مؤسس الموقع جوليان أسانج، إلى هونغ كونغ لسداد تكاليف فرار سنودن إلى موسكو. وكل ما سبق يشير إلى أن الأمر كان مخططًا له سلفًا. وقد ادعى سنودن أنه قد دمر كل الملفات التي كان قد سرقها، وذلك قبل وصوله إلى روسيا.

لكن هذا غير حقيقي أيضًا. فقد صرح النائب الأول للجنة الأمن والدفاع في البرلمان الروسي، في يونيو (حزيران) من عام 2016، أن سنودن قد قدم معلومات مهمة للروس.وفي مقابلة له مع قناة روسيا، قال أناتولي كوشيرينا، محامٍ مقرب من بوتين، والذي عمل وسيطًا بين سنودن والسلطات الروسية، إن سنودن قد كشف للصحفيين في هونغ كونغ عن بعض الوثائق فقط، وعندما سئل عما إذا يحتفظ بوثائق أخرى، رد كوشيرينا بالقول «بكل تأكيد».ويرى التقرير أن هذا يحل جزءًا من اللغز. فهو يوضح لماذا استمر ظهور مستندات في حوزة سنودن حتى بعد وصوله إلى موسكو، فضلًا عما سربه موقع ويكيليكس من وثائق. يقول الكاتب إنه قد سافر بنفسه إلى موسكو في 2015 للقاء السيد كوشيرينا. وقد أكد له المحامي الروسي أن ما ذكره في لقائه التلفزيوني حول أن السيد سنودن قد جلب معه مستندات سرية إلى موسكو دقيق.وقد زعم السيد سنودن أنه لم يلتقِ بأي مسؤول روسي في موسكو. وهذا يجافي نتائج التحقيق الذي أجرته الاستخبارات الأمريكية. فقد أظهر تقرير استخباري أن السيد سنودن قد عقد لقاءات باستمرار مع مسئولين استخباراتيين روس. ويقول الكاتب إن هذا يتماشى مع طرق عمل أجهزة الأمن الروسية، مثلما وصف له ضباط سابقون في استخبارات الاتحاد السوفيتي.يبدو أن الحرب الباردة بين موسكو، وواشنطن لم تنتهِ، وإنما تحولت نحو الفضاء المعلوماتي. وحتى لو لم تتمكن روسيا من سرقة أجهزة التجسس الفائقة التي تمتلكها وكالة الأمن القومي، فبوسعها جسر الهوة مع الوكالة، بالحصول على مصادر وطرق للعمل من متعاقد واحد في المستوى الثالث.
 



This post has been seen 2 times.