الآن

حلم راحل

أحمد لعيبي

  اتعبتها سنوات الانتظار الخمس عشر وهي تنتظر صرخة طفل او ضحكته وترتقب عطر جسده الصغير لعله يخترق عطرها وتمني نفسها بأن تحتضن يدها يده الصغيرة..كانت تنظر في عيون كل الصغار لعل الله يمن عليها بمثل ما من على غيرها..
أشد حرقة الأنثى عندما تنتظر فهي تحتضر..
أشرق الأمل في شمس روحها بعد خمس عشر عاما من الانتظار والاحتضار عندما اعادت الجملة ثلاث مرات على الطبيبة لطفا ماذا قلتِ ؟..
فأجابتها الطبيبة وهي تبتسم ((انت حامل ))..!
كادت الفرحة ان تفقدها عقلها وصرخت (ضاحكة ،باكية، لاطمة )
تحولت تلك الانثى إلى طفلة صغيرة وهي بالكاد تتمالك انفاسها ولأول مرة تضع يدها على بطنها برفق وتقول(أخيرا جئت مع اول خصلة للشيب في شعري كم انتظرتك ))؟
كانت تعد الايام كما يعد البخيل نقوده..!!
أشترت للصغير اغراضا بعد ان علمت ان ما بأحشائها ذكرا ووضعتها في زوايا الغرفة وكانت تكلمه كثيرا وتشكو له ألم بعده كل هذه السنوات كما يحدث العاشق معشوقه 
كانت حالتها الصحية تسوء جدا كلما تقدمت شهور الحمل حتى انها كادت ان تفارق الحياة لكنها بقيت متمسكة بأمل ذلك الصغير الذي تعلق بأحشائها وبقلبها حتى انها جلست ذات مرة وهي تقول له بعد نوبة قيء داهمتها((صدك يمه وتكبر وتمشي وتأخذني وتجيبني من اتمرض..صدك اسمع منك كلمة يمه يا بعد أمك..صدك اتكعدني بجيتك وتطيرني ضحكتك ))
في شهرها السابع كان مفترق طرق لها ورحلة ألم جديد فصحتها لم تعد تتحمل وصحة الجنين ببطنها تسوء اكثر ان بقي وكان لابد أن تلد في شهرها السابع وبكل هذا الوجع والقلق وظلم الزمن ونظرة الأقارب واماني المحبين ونظرات الشامتين…
بقلبها المحروق مثل خيمة زينب كان عليها ان تواجه كل هذا السبي..!
وجلست لتضع يدها وهي تتحسه في بطنها للمرة الاخيرة وتمتمت بحرقة سبية في طف العراق((يجوز تروح وما اشوفك..يجوز اكعد من العملية وما الكاك..بس فدوة لاتروح بسرعة..اريد اشوف ابوي بوجهك..اريدك توكف بوجه ابوك من يزعلني..اريد اعوف اسمي ويسموني باسمك من فدوة اروح لأسمك ..مليت الناس تصيح لي باسمي..اخذني مرة وحدة للطبيب..ووراها روح بس مو هسه تعوفني عليك الحمزة..))
دخلت غرفة العمليات وهمست بأذن الطبيبة قائلة((دكتورة مالك علاقة بزوجي اني صارلي هواي عايشة واذا كان لازم واحد من عدنه يبقه فخليه يعيش..خل وليدي يعيش))
ووضعت طفلها الصغير وكان كل منهما بغرفة فهي كانت في شبه غيبوبة والصغير كان متعبا..وما ان افاقت حتى طلبت ان تراه ولكن وضع الصغير كان لا يسمح ان تراه او ان يحمل لها وبقيت 3 ايام تنتظر واقسم لها زوجها انه في مكان لا يمكن ان تراه هي ولا يمكن ان يراه هو..فصدقته فهي تعلم ان زوجها لايكذب..!!
نعم فلقد كان الصغير في قبره منذ صرخته الأولى ولم تره امه ولم يحقق لها امنيتها..
مات الصغير وعندما علمت امه بالخبر لم تتكلم وظلت صامتة بحرقة خيمة كأن على قلبها سياط..!!
اصعب شيء ان يموت في عمرك حلم فكيف اذا ماتت في بطنك كل الاحلام…!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*