الآن

حلم العثمانية الجديدة يُدفن في حلب

اوليفييه روا

سلّط الرجل الذي اغتال السفير الروسي في أنقرة الضوء على تناقضات السياسة الخارجية الأردوغانية. فمن أين للـ «سلطان» الجديد، وهو كان إلى وقت قريب نصير الإسلام السنّي في الداخل التركي والخارج
فتركيا أردوغان، إثر طي الانموذج الكمالي الذي يرجح كفة الرابطة مع أوروبا والأطلسي، لم تفلح في انتهاج سياسة خارجية مستقرة ومتماسكة. والرئيس التركي أرجأ عضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي، في وقت كان يسعى إلى أن تتبوأ بلاده مكانة القوة الكبرى الإقليمية. ولكن أي «إقليم» هذا؟ وما سند هذه القوة؟ ففي عهد أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركية بين 2009 و2014، بسطت الديبلوماسية التركية نفوذها في إقليم السلطنة العثمانية الآفلة، أي في القوقاز والبلقان والدول العربية، ورفعت لواء إنشاء حيز نفوذ بلا أعداء أو «صفر أعداء» (وحاولت أنقرة التقرب من أرمينيا وصربيا، وربطتها علاقات وثيقة مع كردستان العراق). وترتب على السعي إلى بسط نفوذ تركيا بعث التنافس القديم مع إيران في أذربيجان، وأرمينيا تحديداً، والتوتر مع روسيا، التي لم يرق لها التمدد التركي في الحيز ما بعد السوفيتي، فالإمبراطوريات لا تموت ولا تنقضي. وكانت شركات تركية متوسطة وصغيرة الحجم وشبكة مدارس غولن (من البانيا إلى أذربيجان مروراً بجورجيا المسيحية) ذراع سياسة النفوذ التركي في الدول هذه. أما في البلدان الإسلامية، فإلى شبكة غولن والشركات التركية، اقترحت أنقرة إعداد المديرية العامة للشؤون الدينية المرتبطة برئيس الوزراء التركي، وعلماء الدين المحليين.
وهذه المقاربة التركية المتعددة الأوجه تكللت بالنجاح طوال أعوام، ولكن سياسة «الجوار الحسن» تداعت وتناثرت على وقع «الربيع العربي» (2011)، وتحديداً مع الانتفاضة في سوريا. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، أعلنت تركيا الحرب على نظام بشار الأسد، ودعمت المعارضة السنّية. وكان فوز الإسلاميين في الانتخابات التونسية والانتخابات المصرية جسرَ «العدالة والتنمية» إلى تقديم نفسه «الأخ الأكبر» للإخوان المسلمين على اختلاف مشاربهم. وهؤلاء وسموا أحزابهم الجديدة بصفات «العدالة» و «التنمية»، تيمناً بـ «الأخ» التركي، فانتقلت أنقرة من «سياسة حسن الجوار» إلى ستراتيجية شرق أوسطية كبرى، وهي ستراتيجية عربية على وجه التحديد، من حلب إلى غزة.
وتماشت مناصرة تركيا القضية السنّية في المنطقة مع السياسة الداخلية التركية، التي أنزلت في عهد «التنمية والعدالة» الإسلام السنّي في منزلة ركن الهوية الوطنية، وهمشت مكانة الانتماءات الإثنية. وانفتحت حكومة «العدالة والتنمية» ثقافياً على الكرد (أجازت استخدام لغتهم) ورجحت كفة الانتماء الديني المشترك، وكانت أكثر تسامحاً مع الأقليات الدينية من أسلافها الكماليين (إعادة أراضي دير مور غابرييل [أقدم دير سرياني أورثوذكسي في العالم]، وإلغاء ذكر الديانة في بطاقة الهوية… إلخ)، ولكنها رفضت الاعتراف بالأقلية الدينية العلوية. ودار الكلام حينها على «عثمانية جديدة»، أو سياسة «إسلامية» يقودها رئيس يحلم بأن يُتوّج سلطاناً.
من مفارقات الرد العنيف على محاولة الانقلاب في 15 تموز (يوليو) 2016، تقطيع الحكومة التركية أوصال شبكة غولن في الخارج، من مدارس وجمعيات ومساجد، والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي كانت ذراع النفوذ الثقافي والاقتصادي التركي من غير كلفة على الخزينة التركية أو مشقة.
ولكن ماذا وراء مثل هذا الانعطاف؟ ثمة مجموعة أسباب معقدة ومركبة، ففي وقت أول خسرت ورقة «الإخوان المسلمين»، فقد اندمج هؤلاء في تونس (وبلاد المغرب) في المجتمع الوطني الأوسع، وانتفت الحاجة إلى عراب تركي، وفي مصر طرد القمع «الإخوان»، ولو موقتاً، من الساحة السياسية. واليوم، شاغل الحكومة التركية الهوسي هو الحركة الانفصالية الكردية، والحرب في سوريا حولت الأكراد السوريين (ولم تكن الحكومة السورية تعترف بوجود أكثر من مليون نسمة منهم) إلى قوة عسكرية وسياسية بارزة في سورية عضدها الدعم الأمريكي. ولكن الحزب المهيمن على الأكراد السوريين يتحدر من «العمال الكردستاني» التركي، الذي حسِب أن الأزمة السورية فرصة سانحة أمام حمل السلاح في تركيا، في وقت يخوض «العدالة والتنمية» عملية مفاوضات سلام مضطربة مع أكراد تركيا. ولكن استئناف الأعمال العدائية في الداخل التركي انتهى إلى تكبد «العمال الكردستاني» فشلاً عسكرياً وسياسياً. فالحزب هذا أخفق في سعيه إلى إنشاء مناطق مدينية محررة، وعجز عن تجييش دعم شعبي له. ولكن الواقعة وقعت، والقمع يهبط على الجناح السياسي من الحركة الكردية، فـ «حزب الشعوب الديمقراطي» أخفق في إثبات أنه مستقل عن «الكردستاني»، واستئناف الهجمات ضد الأجهزة الحكومية التركية يؤجج تفاقم الأحوال في تركيا.
ورأت أنقرة أن النصر الكردي في كوباني في 2015 منعطف، فعلى رغم تفاقم التوتر مع روسيا إثر إسقاط المقاتلة العسكرية الروسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 (والعملية هذه تنسب اليوم إلى طيارين من حركة الداعية غولن!)، كانت الظروف مواتية لانعطاف تركيا نحو روسيا. وساهمت محاولة الانقلاب في تموز (يوليو) 2016 في تسريع وتيرة التقارب التركي– الروسي: تقويض عملية تطهير الجهاز الأمني التركي الجيش التركي. وصار الجيش عاجزاً عن أداء دور راجح في شمال سوريا، وعن جبه التحالف الروسي- الإيراني. ويعيد ضعف الجيش التركي إلى الأذهان وضع الجيش الأحمر الجريح إثر عمليات الاجتثات والتطهير في 1937، ووهنه في مواجهة فنلندة الصغيرة في 1939. وإلى الضعف هذا، تتفشى في تركيا مشاعر الارتياب من أميركا، ويُتهم أوباما بدعم العدوين اللدوديْن لأردوغان، غولن والأكراد. وقد يُعزى الانعطاف التركي إلى تخفف من المبادئ  أو المعايير الأخلاقية الستراتيجية، والعودة إلى مبادئ الواقعية السياسية القديمة.