الآن
حتى نقطع الشك باليقين

حتى نقطع الشك باليقين

عمار البغدادي 
جال الكثيرون بقرار الامام السيستاني الاعراض عن استقبال وفد التحالف الوطني و كأن القرار مثل اعداما جماعيا لوفد التحالف الوطني و تسويته الوطنية و نسفا لشرعية وجود هذا التحالف الانتخابي و السياسي من الاساس او ان الامام في كتابات اخرى يمثل رايه كمرجع اعلى و لايعني الاعراض نفيا لوجود هذا التحالف 

ان الكتابات العراقية التي استغرقت في الكتابة بهذا الاتجاه انطلقت من محورين في الحقيقة هما كراهية التحالف و محاولة النيل من هذا المكون السياسي الانتخابي بتحميل قرار الامام عدم استقبال وفد له اكثر  مايحتمل و هي غاية يضرب على وترها الطائفيون و البعثيون و الدوليون و العروبيون ! السيد المرجع في الغالب لا يتدخل بالتفاصيل التي لها علاقة بالشغل التفصيلي للتحالفات السياسية و لو فعلها اتحاد القوى و ذهب الى النجف لعرض وثيقة تتضمن اجوبته مثلا على اسئلة التحالف الوطني و رأيه بالتسوية الوطنية سيكون رد الامام ربما هو الرد ذاته على مجيء وفد التحالف الوطني الى النجف و الرغبة في استقبال الامام له . المعنى الكامن هنا ان الامام في الحقيقة يريد نتائج حقيقية من وراء هذا  الهرج و المرج الدائر في الاوساط السياسية حول التسوية الوطنية بين المكونين  او بين قادة المكونين فضلا عن ذلك ان الامام السيستاني لديه رؤية لها علاقة بالمصالح الوطنية العليا و من المؤكد ان تلك اللغة و الرؤية قد تصطدم و الاطار السياسي الذي كتبت فيه التسوية و من المحال ان ينسجم مرجع اعلى للامة و ليس للطائفة الشيعية مع اطار مكتوب من مجموعة من السياسيين ان لم يكن هذا الاطار نال اتفاقا حقيقيا من  اهل الحل و العقد و اهل الفريقين السني و الشيعي و هو مالم يحصل للان . الامام لا ينشغل بالتفاصيل و خلاف الاوراق السياسية بين فريقين مازالت هوة الخلاف السياسي عميقة بينهما افساحا في المجال لمزيد من النقاش السياسي و اثراء الاوراق المختلف حولها . الامام لا يريد ان يوحي للاخرين فئات سياسية او شعبية او قادة دول او اعضاء مجلس نواب او شعوب و مصالح و منظمات دولية و قادة احزاب سياسية ان المرجعية الدينية شأنها شأن بقية الاحزاب و الحركات و التوجهات السياسية المنشغلة بالتفاصيل و الا لو سار هذا المعنى على قاطرة الوعي المجتمعي و السياسي الوطني العراقي و العربي العام لتحولت المرجعية الدينية الى حزب سياسي او وكالة انباء او ديوان للكلام السياسي او مشيخة اقل من كونها مؤسسة دينية و هذا الذي حرصت المرجعية الدينية تاريخيا الابتعاد عنه لحماية محورها الممانع و المقاوم لمثل هذه الارتدادات السياسية و التفسيرات المفتوحة و الاجتهادات الشخصية التي لو كانت المرجعيات انزلقت اليها لما كانت حافظت على وزنها و شعبيتها و التفاف الناس حولها و الطاعة الشاملة لها في كل الامور السياسية و الاجتماعية بما فيها تقرير مصائر الشعوب على طول خط الصراع من طنجا الى جاكارتا و من ايران و العراق و لبنان الى كل الدنيا . ان اعراض المرجع عن استقبال التحالف لا يعني ان الامام ضد التحالف الوطني انما هو ضد ان توحي الزيارة ان الامام مرجع الشيعة او انه يمنح شرعية ما للتحالف الوطني لانه لو اعطى تلك الاشارة او الايحاء في الشارع فقد جزءا من شرعية الوجود و الشرعية لا تكتمل او تتجلى او تتحقق الا في النظر الى المصالح العليا للامة بسنتها و شيعتها وسائر المكونات و في الحقيقة ان الامام السيستاني يعكس رؤية عبد الرحمن الكواكبي في النظر للمصالح و البحث عن الخيارات الستراتيجية التي تجنب الامة الانزلاق في الانحدارات السياسية التي تمزق وحدتها و تشتت شملها . الامر الاخر الاكثر اهمية ان الامام اراد بقراره هذا اشعار التحالف الوطني بأهمية المشكلة التي يعيشها هذا المكون السياسي في علاقته بالمكون الاخر الشريك او في علاقته بالامة و الشعب العراقي و محور ادارة الدولة و الحكومة و مصالح الناس . اظن ان هذا الامر هو الاكثر اهمية بقرار عدم استقبال الوفد و الا فإن الامام لا يخضع قرارات الاستقبال من عدمها للمزاج السياسي او الشخصي انطلاقا من وظيفة المرجع في الامة و مهمته في المؤسسة الدينية فهو نائب الامام المعصوم و السلوك السياسي مرتبط بارادة المعصوم و رأيه و نظرته الشاملة للمصالح العليا و ليس النظرة الجزئية التي تحرر تقرير المصالح على خلفيات سياسية مع او ضد هذا المكون او ذاك . لو كانت القاعدة ان الاخرين عليهم ان يبدلوا وجوههم كون الامام لم يستقبل التحالف الوطني على كل التحالف قبل قرار الامام الاعراض عن استقبال وفده ان يغيروا وجوههم و يستبدلوها بوجوه اخرى و انا واثق ان الامام لن يستقبل احدا في هذه المرحلة و لو استقبل احدا بعد شهر او شهرين او بعد ساعة او ساعتين فان ذلك لا يعني تغييرا في موقفه ازاء موضوع التسوية الوطنية او ان الوجه الفلاني مختلف عن بقية الوجوه . الامام  اعرض عن اللحظة التي تتحرك فيها التسوية الان و طالب باستكمال كل فصولها و الياتها و ملفاتها مع الاخرين في المكون السني و ان تنتهي الى مصالحة شاملة و لم يعرض عن الوجوه التي اتته وارادت زيارته و في كل الاحوال فان الوجوه التي ارادت زيارته وجوه كريمة و لها تاريخ جهادي طويل و كتلة من المجاهدين الذين قاتلوا و مازالوا من اجل العراق و العراقيين.يكفي ان على رأس وفد التحالف رجل كريم و مناضل كبير و عالم ينتمي الى اسرة عريقة في العلم و الجهاد و الثورة و المعارضة و يكفيه ان جده مرجع امة و والده زعيم اول كتلة برلمانية للشيعة في تاريخ العراق الحديث و عمه زعيم ثوري تربع على عرش الزعامة السياسية في المعارضة العراقية ربع قرن و شهيد محراب . الحكيم خرج الى الزعامة من باب التاريخ و هو وجه من وجوه التاريخ العراقي الحديث و الحديث عن تغيير وجهه بحاجة الى دليل لاثبات ان التاريخ السابق للثورة و المعارضة و الشهادة .. كان تاريخا خاطئا!.اقول هذا الكلام من موقع الانتماء لهذا التاريخ الجهادي الطويل في صفوف المعارضة العراقية السابقة و لا تربطني بالحكيم صلة تنظيمية او سياسية مباشرة و في غالب الاحيان لدي اعتراضات من وجهة نظري على اداء المجلس في البرلمان او الحزبي مع الامة او الحكومي في الوزارة العراقية كما هي اعتراضاتنا على مجمل اداء وزارات و نواب التحالف الوطني و هو حق طبيعي في اطار ما تسمح به القوانين العراقية في الاعتراض و النقد على خلفية وجود تجربة ديمقراطية .