الآن
جبار الغزي الشاعر ذو الروح الغريبة .. حينما يتصاعد السكر في رأسه يلعن كل الافكار البليدة كونه يدرك مأساة جيلنا الضائع

جبار الغزي الشاعر ذو الروح الغريبة .. حينما يتصاعد السكر في رأسه يلعن كل الافكار البليدة كونه يدرك مأساة جيلنا الضائع

أ. د . نجاح هادي كبة / بغداد

هذا عنوان كتاب صدر سنة 2016 م من اعداد وتقديم خالد حسين سلطان عن دار الخالدي للطباعة والنشر والتوزيع , ط1 , يحتوي على (70 ) صفحة من القطع المتوسط يتناول سيرة حياة الشاعر الشعبي جبار الغزي وابداعه واشهر قصائده , منها التي غناها مجموعة من المطربين العراقيين امثال ( ايكولون غني بفرح – حسين نعمة ) و( كالحواجب يلعب الشعر الحرير – فاضل عواد ) و ( عيني يم اعيون تضحك – فاضل عواد ) و(لعيونك الحلوات عمري وشبابي – علي جودة ) وغيرها . قال معد الكتاب خالد حسين سلطان : ( لم اتعرف او التقي بالغزي الا من خلال كتابات اصدقائه .. احتراما ووفاء للغزي الذي كان بلسما لجرحنا .. حاولت جمع غالبية ما كتب عنه ماله وماعليه , حكايات بعض اشعاره الغنائية , طبيعته وعزوفه عن جمع المال والزواج ) ص6  غطى مساحة الكتاب مجموعة من الكتاب بعنوانات فرعية كالاتي : 
( غريبة الروح …. نعيم عبد مهلهل ) و ( طائر الجنوب يحلق فوق بارات العاصمة – سعدي عباس العبد ) و ( تعطلت السيارة فانطلقت اغنية ( غريبة الروح – عبد الامير المجر ) و ( وغريبة الروح اغنية صوفية …. كانت من وحي الالهام – سعد صاحب ) وغيرهم اذ بلغ عدد من تناول حياة الشاعر وقصائده حوالي (14 ) اربعة عشر كاتبا سلطوا الضوء على شخصية الشاعر الشعبي جبار الغزي بوصفه احد الشعراء الصعاليك المبدعين امثال عبد الامير الحصيري وحسين مردان وجان دمو وغيرهم الذين عاشوا حياة الصعلكة فكانت الفنادق البسيطة والرصيف والحدائق والمناطق الخربة مأواهم يحتسون الخمرة حد انهم يفقدون الوعي وحينما يكونون امام الحياة وجها لوجه يخرج من افواههم الدر المكنون ( الشعر ) فلا يبزهم فيه من الشعراء الا القليل , وجبار الغزي – كما يقول نعيم عبد مهلهل – ( هذا الشاعر المولود في ليل الوركاء دون اسطورته الشعرية ومات مسكوبا من عطر خمرته والفاقة كتب ( غريبة الروح ) ولا اعتقد احد يكتبها غيره بالشكل الميتافيزيقي لحنان الام وغرام المدن القابعة في رؤيا العرافات في السوق ) ص : 64.  قال عنه رعد ابو فدك : ( وهو يشكي وحشته ومن ثمالة تاركا شعره يترنح في الازقة العتيقة … لم يجد مأوى ليسكن اليه هو وروحه الغريبة وبين العقل المفكر اليقظ المتقد بالذاكرة والمترع بحافظة ذكية لا مثيل لها في عوالم الشعر الشعبي حفظا ولغة وعروضا وموسيقى حزينة فقد القى وغرد بطريقة لا نظير لها برغم حالة النشوة التي ما برحت ذاكرة مقاهي السبعينيات الادبية تتذكرها (البرلمان – الشابندر) وغيرهما من مقاهي الادباء آنذاك) ص62 . لقد داوى الغزي نفسه بالخمرة مع انه يعلم انها الداء فحاول ان يجد من الخمرة ومن الصعلكة طريقا من غربة الروح في مجتمع كان الشاعر الاثير للسلطان هو المتمتع  بالمال والجاه , اما جبار الغزي وامثاله من المبدعين فراحوا يفتشون في عيوب مجتمعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فوجدوا ان الدواء في الشعر لقد نقل  جبار الغزي عادات الجنوب العراقي وتقاليده الى بغداد من خلال أغانيه  ( اذ ولد في الناصرية سنة 1945م) فكان صوته الشجي على لسان المطربين العراقيين في بغداد يصل الى اسماع ابناء شعبه فكان محطة الالتقاء والتوحيد للعراقيين في الحب العذري والاخاء الصافي والالتزام وليرقق العواطف ويزرع الامل في النفوس لتشرق الحياة ببهجتها فمن الاغاني التي غناها فاضل عواد للشاعر جبار الغزي :
عالحواجب يلعب الشعر الحرير 
وانا بين العين والحاجب اسير 
ياقمر ضيفنه يمك ليلة 
روحي ملت من بعد توميله 
وانا طيره شوق روحي اوما الى اجناحه تطير 
عاشرت كل نسمه اعذيبي تهب 
حملتهه الدار هم شوق او عتاب 
لسه لاحنوا  ولا ردوا جواب 
شوقي احضنهم ترافه او ياسمين  / ص : 12 
( وحينما يتصاعد السكر في رأسه يلعن كل الافكار البليدة من دون خوف ولا تردد لكونه يدرك بالتمام مأساة جيلنا الضائع بين الحروب والمصحات النفسية والصمت والاختناق والشقاء وموت الضمير والنكران وكان يشتم السياسة التي اوقعتنا بالخيال الكاذب والايهام ويسخر من دعوات الزيف الباطلة والمقولات الجاهزة) ص :45 
لقد عاش جبار الغزي في الحياة بلا زواج فكان الشعر ملاذه والحانه منزله يعيش على الكفاف لا يملك من حطام الدينا شيئا فاضطر الى بيع السكائر في ( جمبر ) ليسدد نفقات حياته البسيطة , كانت امه ملاذه الامن تتابعه وهو في بغداد يقول 🙁 لقد غادرت الشطرة نهاية الستينات بعد انتهائي من الدراسة في اعدادية الصناعة ووجدت في بغداد ملاذا ومكانا للابداع حيث كانت فترة السبعينات ذهبية في الابداع في الفن والادب والسياسة والرياضة وغيرها , ولكنني احببت حياة الصعلكة والتمرد على المجتمع وكثيرا ما كان اهلي يبحثون عني ويأخذوني عنوة الى الشطرة ولكن اعود بعد حين وفي احد الايام جاءتني امي الى بغداد ووجدتني نائما في احد فنادق علاوي الحلة وجلست عند رأسي وهي تناجيني :                                         
( يمه … جم هلال هلن وانت ما هليت ؟  )                   
بعدها انتبهت  مستيقظا من نومي وقلت لها : وصلت الفكرة وفعلا اكملت الكلام              
الجميل الذي قالته امي وحولته الى ملحمة غنائية على مرحلتين أداها الكبير حسين نعمة :
جم هلال هلن وانت ما هليت 
وجثيرة اعياد مرن وانت ما مريت 
ترف ما فكرت بيه 
انا وغربتي وشوكي 
أسولف بك يومية
ثم اكملت الجزء الثاني بكلمات اغنية رديت على لسانها:         
رديت وجدامي تخط حيرة وندم 
رديت وعيوني تخط كبل القلم 
رديت عالبيبان باب اباب ادك 
رديت لا موعد ولا جلمه صدك  / ص 54 – 55 
توفي رحمه الله في بغداد سنة 1985م قرب جسر الجمهورية ممطورا اذ غسلت جثته المياه عشرة ايام.                                                                                                          
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*