الآن

ثلاثة شهور أخرى من التدهور .. ترامب يعمق معاناة الاقتصاد السوداني

أحمـــد طـلـــــب
 نحن لا نتوقع أي شيء سوى رفع العقوبات.. هكذا قال وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، قبل ساعات من تمديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقوبات التي تفرضها بلاده على السودان لثلاثة أشهر إضافية، ربما يكون مثل هذا التصريح أو التفكير السوداني هو السبب الرئيس في الصدمة الكبيرة التي هزت الأوساط السودانية، وذلك بعد أن جاء قرار ترامب بعكس المتوقع، وإذا كان واقع الصدمة شديدًا على المستوى السياسي، إلا أنه اقتصاديًا ربما يكون أكثر صعوبة خاصًة في ظل وضع اقتصادي لا يحسد عليه السودان.

   ومدد ترامب العقوبات الاقتصادية التي تفرضها بلاده على السودان لثلاثة أشهر إضافية إذ جاء في القرار التنفيذي أن رفع هذه العقوبات يمكن أن يتحقق بعد انتهاء الفترة الجديدة، في حال واصلت الخرطوم ما وصفه بسلوكها الإيجابي، وذلك في الوقت الذي أقرّت فيه وزارة الخارجية في بيان أن الحكومة السودانية أحرزت تقدما بالفعل، لكن واشنطن تشعر أن الوقت لم يحن بعد لرفع هذه العقوبات.وعلى العكس تمامًا ترى السودان أنها استجابت لكل المطالب الأمريكية لرفع العقوبات إذ قال السفير عبد الغنى النعيم وكيل وزارة الخارجية السودانية «‎بالنسبة لنا الخطوة الطبيعية والمنطقية أن ترفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية، لأن السودان نفذ ما هو مطلوب منه تمامًا».ويعود أصل العقوبات الأمريكية الاقتصادية على السودان إلى 12 أغسطس (آب) 1993، إذ أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب ردًا على استضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وجاء التطور الاقتصادي للعقوبات في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، وذلك عندما أصدر الرئيس بيل كلينتون، قرارًا تنفيذيًا بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية لها، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان.واستمرت العقوبات منذ ذلك الوقت إلى أن أصدر الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، أمرًا تنفيذيًا يقضي برفع العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على السودان في يناير (كانون الثاني) الماضي قبل أسبوع فقط من مغادرته للبيت الأبيض، إذ شمل القرار السماح بكافة التحويلات المصرفية بين البلدين واستئناف التبادل التجاري بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية، لكن البيت الأبيض حينها قال: إن رفع العقوبات سيؤجل لمدة 180 يومًا.
هل تفسد الـ3 أشهر صبر
 الـ20 عاما؟
بعد ما يزيد عن عشرين عامًا من العقوبات لم يعد على السودان سوى الانتظار نحو ثلاثة أشهر فقط ولكن يبدو أن هذه الأشهر ربما ستعقد الأمور أكثر في وقت لم تشك الخرطوم لحظة في عدم رفع ترامب للعقوبات؛ إذ أصدر الرئيس السوداني عمر البشير، قرارًا جمهوريًا بتجميد لجنة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وهو القرار الذي ربما يضيف الكثير من التوتر للعلاقات الأمريكية – السودانية؛ مما قد يعرضها لمدة جديدة من تأجيل رفع العقوبات.وبعيدًا عن العلاقات والتوقعات السياسية، فإن الأشهر القادمة على المستوى الاقتصادي، لن تمر بسهولة على البلد الذي كان يسعى للدخول مجددًا الى النظام المصرفي العالمي، بالإضافة إلى فتح البلاد أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية التي يحتاجها بشدة لمساعدته في ضبط التضخم المرتفع، ونقص العملة الأجنبية الذي أعاق قدرته على الشراء من الخارج، وهو ما يجعلنا نتساءل: إذا صمدت السياسة، فهل سيصمد الاقتصاد؟ يمكن مناقشة هذا الأمر على مستوى أبرز المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها السودان.النقد الأجنبي.. الارتباك سيد الموقف
يرى المراقبون أن القرار الأمريكي من شأنه أن يحدث «ارتباكًا قويًا» داخل الحكومة السودانية، والتي لم يكن ضمن حساباتها تمديد المهلة لأشهر إضافية، ولكن هذا الارتباك بدأ منذ أيام في أسواق النقد الأجنبي بالسودان، وذلك باختفاء شبه تام للدولار الأمريكي، سواء في السوقين الرسمية أو الموازية، بالرغم من تأكيدات البنك المركزي بضخ المزيد من العملة الصعبة في المصارف.قفز سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السوداني، بعد ساعات من تمديد مهلة رفع العقوبات الأمريكية، إذ اقترب من حاجز الـ20 جنيهًا، وقال تجار بالسوق الموازي، إن سعر الدولار، ارتفع إلى مستوى غير مسبوق عند 19,6 جنيه مقارنة بـ19,4، أول أمس الثلاثاء، وذلك وسط توقعات بأن يتجاوز الـ 20 جنيهًا خلال الأيام القادمة.وتعيش السودان أزمة متفاقمة فيما يخص النقد الأجنبي وذلك بسبب نضوب المصادر وكان السوق قد أظهر تحسنًا ملحوظًا، في يناير(كانون الثاني) الماضي، إذ تراجع سعر الدولار من 19.4 إلى 17 جنيه سوداني في السوق السوداء بعد قرار الولايات المتحدة القاضي بتخفيف العقوبات الاقتصادية لكنه سرعان ما ارتفع مرة أخرى، وكانت العملة السودانية فقدت نحو100% من قيمتها منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011، ما دفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية بالنظر إلى أن السودان يستورد معظم المواد الغذائية.يشار إلى أن السودان يتعامل بثلاثة أسعار للدولار، فإضافة إلى السعر المعمول به في السوق الموازية، يحدد البنك المركزي سعرين رسميين للدولار، أحدهما للمعاملات الحكومية وهو ستة جنيهات، والثاني سعر تحفيزي يحدده البنك للمصارف، بغرض جذب مدخرات المغتربين، ويكون غالبًا عند 15.9 جنيهًا للدولار.ويضخ البنك المركزي الدولار لثلاثة مصارف فقط، وهو الأمر الذي يعكس الانخفاض الكبير في المعروض الدولاري في البلاد، وهو ما يفسح المجال لانتعاش السوق الموازية أيضًا، فيما يعمل المركزي على تلبية طلبات شركات ووكلاء الأدوية والعقاقير الطبية من الموارد المتاحة والمخصصة من عائدات الصادرات غير البترولية، بينما يقر رئيس الوزراء السوداني بكري حسن صالح، بفشل حكومته في كبح جماح الدولار مقابل الجنيه السوداني، قائلًا: إن جهود القطاع الاقتصادي لم تفلح في وقف تراجع قيمة الجنيه.
التضخم.. قفزات متتالية
 في ظل دعم يتقلص
لم يكن السبب الوحيد للقفزات المتتالية لنسب التضخم في البلاد هو الدولار فقط، بل إن الأمر تفاقم منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، عندما أعلن السودان رسميًا رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والكهرباء عبر حزمة إجراءات اقتصادية كان هدفها تحقيق الاستقرار الاقتصادي، بالإضافة إلى استهداف خفض معدلات التضخم إلى نحو 15% في المتوسط، علاوة على انخفاض العجز في الميزان التجاري من 4.2 مليار دولار إلى 3.7 مليار دولار، فيما ما لم تظهر أي ملامح لهذا الاستقرار حتى الآن.وقال الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، مؤخرًا: إن معدل التضخم السنوي ارتفع إلى 35.52% في مايو (أيار) الماضي، من 34.81% في أبريل (نيسان) مع استمرار صعود أسعار الأغذية والطاقة، ومع عدم رفع العقوبات واستمرار تراجع العملة المحلية، من المتوقع أن يسجل التضخم خلال يوليو (تموز) الجاري مستويات مرتفعة.يشار إلى أن الأسهم السودانية المدرجة في أسواق المال الإماراتية، قد تراجعت بنحو ملحوظ خلال التداولات،   بعد القرار الأمريكي، إذ انخفض سهم «مصرف السلام – السودان»، المدرج في سوق دبي المالي، بنسبة 3.85% متصدرًا قائمة الأسهم الخاسرة في السوق، بينما انخفضت أسهم مجموعة «سوداتل» للاتصالات، المدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية، بنسبة 3.64%، وسط تداولات بقيمة 1.24 مليون درهم (337.6 ألف دولار).نظرة إيجابية.. الآثار السلبية لن تستمر طويلًا.على الجانب الآخر يعتقد، مدحت نافع، الأكاديمي المصري، والخبير الاقتصادي، أن أزمة السودان تكمن في قيادتها السياسية وملف حقوق الإنسان الذي اتخذ ذريعة للعقوبات الأمريكية، وقانون سلام السودان لا يعدو أن يكون ترجمة لرفض المجتمع الأمريكي لسجّل البشير التاريخي وقرارات الجنائية الدولية ضده، حتى تقسيم السودان الذي تم تحت نظره لم يشفع له لشراء بقائه في السلطة برعاية أمريكية والشعب السوداني كله يدفع فاتورة استبداد وتهوّر رجل واحد، على حد تعبيره.وتابع نافع حديثه قائلًا: «العقوبات قديمة ومستمرة منذ نهاية الثمانينات، وأي نتائج اقتصادية سلبية جديدة لن يكون ممكنًا ربطها بمد العقوبات بضعة أشهر إضافية، خاصًة وأن الأثر النفسي لاتجاه الإدارة الأمريكية الحالية لرفع العقوبات تأسيسًا على قرار تنفيذي لباراك أوباما يصب في مصلحة السودان مع ترجيح الرفع التام لها»، مؤكدًا أن الآثار الاقتصادية من هبوط الجنيه والأسهم هو أثر مؤقت، لن يستمر طويلًا.وفي محاولة لدعم الاقتصاد المحلي، تدرس الحكومة السودانية منع تصدير المواد الخام، وذلك لاستغلالها في تدوير عجلة الإنتاج المحلي من جهة، وجذب الاستثمارات الأجنبية من جهة أخرى، إذ كشف وزير التجارة حاتم السر، مؤخرًا، عن قرار مرتقب للحكومة لإيقاف تصدير الخامات السودانية لكل المنتجات، على اعتبار أن تصنيع المواد الأولية يمكن أن يدر للبلاد مليارات الدولارات سنويًا، وهو الأمر الذي يعتبره الاقتصاديون خطوة جديدة تدعم اقتصاد البلاد بعيدًا عن العقوبات.وختامًا، فإنه بالرغم من الأهمية البالغة لرفع العقوبات الأمريكية عن السودان، من حيث توافر النقد الأجنبي وإنعاش الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في القطاعين الزراعي والمالي، فإن الاقتصاد السوداني يمتلك مقومات قوية تمكنه من الصمود أمام مثل هذه العقوبات، خاصًة إذا نجحت الحكومة في تحقيق الأرقام الموازنة الحالية، إذ تستهدف موازنة العام 2017، عجزا يعادل نحو 2.1 % من الناتج المحلي الإجمالي، بإيرادات 77.7 مليار جنيه ومصروفات 96.2 مليار جنيه، ومعدل نمو نسبته 5.3%.
 

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn