الآن
«تنمية التخلف» .. الوجه القبيح لمعونات الدول العظمى

«تنمية التخلف» .. الوجه القبيح لمعونات الدول العظمى

هند عبد الحميد 
انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 لتترك العالم منقسمًا على نفسه، ورغم أن الجميع قد خرجوا خاسرين من هذه الحرب، إلا أن الفرق شاسع بين دول شقّت طريقها من دمار الحرب لتُصبح فيما بعد «الدول المتقدمة»، وبين دول عانت ويلات الحرب أعوامًا بعد أخرى، دول دخلت الحرب على غير إرادةٍ منها، وخرجت منها تئن تحت وطأة الدمار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي لحق بها، ورغم محاولات بعضها التعافي من آثار تلك الحرب، إلا أن ما نالته في النهاية لم يكن سوى بعض المساعدات التي لم تُغنِ، ومصطلح علق بها حتى الآن، لقد صارت «الدول النامية».

من أين نبدأ إذن؟
شَكّلت مصطلحات مثل «التنمية» و«التخلف»، أزمة للخبراء والمختصين في العلوم الاجتماعية وغيرها من المجالات، كذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني المعنية بتطوير المجتمعات ونموها، وعلى رأسها الأمم المتحدة كانت وما تزال تعنى بالأسباب التي تجعل الفجوة تتزايد يومًا بعد يوم بين الدول التي تُسمى «الدول المتقدمة»، وبين ما أطلق عليه «الدول النامية». الأسباب والنتائج والعوامل التي ساهمت في استمرار عملية التقدم بالنسبة للدول الكبرى الآن، ومثيلتها من العوامل التي جعلت دولًا أخرى تسير نحو التأخر بخطى ثابتة لا تتأثر بمساعدات الأمم المتحدة، أو معونات الدول العظمى، أو محاولاتها أحيانًا للتعويض عن الخسائر التي لحقت بتلك الدول خلال سنوات الحرب الطويلة، والتي قدمّت فيها تلك الدول -النامية- العديد من التضحيات دون مقابل يُذكر.دراسات وأبحاث ومسوح اجتماعية وإحصاءات حاولت بها الأمم المتحدة، ومعها الدول العظمى تحديد أسباب ما حدث: كيف حدثت تلك الفجوة بين الدول؟ وما أسبابها ونتائجها؟ وكيف يمكن معالجتها؟
بداية.. ما الذي يجعل الدول العظمى مهتمة بنموّ الدول الفقيرة أو تقدمها؟
يمكننا معرفة الأسباب من مقال نشرته مجلة The National Interest يتحدث عن أنّ الفقر في الدول النامية يشكل خطرًا كبيرًا على الدول المتقدمة. في النهاية سنُدرك أن التحديات التي يخلقها الفقر و«الحرمان النسبي» الذي يُصيب المجتمعات الفقيرة نتيجة التفاوت في الدخل العالمي بين الدول، تلك التحديات التي تُشكّل تهديدًا على سلامة الدول الكبرى -وعلى رأسها الولايات المتحدة- وعلى أمنها من الإرهاب بكل صوره، والمشكلات التي تلحق بها بسبب الهجرة شرعية كانت أو غير شرعية، وكذلك الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وغيرها من وسائل التهديد التي تمثل فزّاعة تُرهب الولايات المتحدة، ومعها الدول الغنية الكبرى، وتجعلها تبحث عن وسيلة جديدة لمحاولة تدارك -ما تقول بعض الدراسات التي سنذكرها تاليًا- أنها كانت سببًا رئيسيًّا فيه؛ وهو تخلّف الدول النامية وتأخرها عن ركب الحضارة.الحقيقة أن هذه ليست الإجابة الوحيدة، ففي حين تتباهى الدول العظمى بالمنح التي تهبها للدول النامية من أجل مساعدتها على بلوغ ركب التقدم والتطور الحضاري، تُثار في العُمق قضية التعويضات التي كان يتوجب على الدول المتقدمة أن تقدمها في مرحلة ما للدول النامية؛ نتيجة الدمار والتأخر الذي سببته لها خلال سنوات الحرب، تلك التعويضات التي يتم التغاضي عنها الآن في سبيل مساعدات ومعونات تُمنح للدول النامية.لكنّ هذا لا يمنع من إثارة وجه آخر للقضية؛ ألا وهو «الاستعمار». تلك السنوات التي قضتها الدول المتقدمة -الآن- تنهب فيها ثروات الدول النامية، وتستمد منها مصادر الحياة التي تنعم فيها دون أن يكون هناك أي عائد على الدول المتضررة سوى المزيد من الفقر والتأخر؛ بل لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، لكن معالم سنوات الاستعمار -التي عانت منها الدول النامية لعقود طويلة- يتم طمسها تحت راية التقدم والنمو الحضاري الذي أرادت الدول المتقدمة منحه للدول النامية في حينها.امتدت الحرب العالمية من عام 1939 – 1945 واشترك فيها العالم بأكمله تقريبًا، وسخَّرت فيها الدول العظمى كافة إمكاناتها -بما يشمله هذا من دول تقع تحت سيطرتها- وما تُمثله هذه الدول من موارد بشرية، وأراض زراعية، ومصانع، وموانئ، ومطارات، وغيرها.تنتهي الحرب، وتبدأ الدول العظمى في تدارك ما حدث، ومحاولة تعويض ما فاتها في سنوات الصراع، وتبدأ مرحلة التطور الصناعي والعلمي والتكنولوجي، وتُسخر تلك الدول من جديد مواردها كافة من أجل خطط التنمية المستقبلية الخاصة بها، وفي هذه الأثناء ستُحارب الدول القابعة تحت استعمار الدول العظمى من أجل نيل حريتها واستقلالها، وهو ما سيحدث بالفعل بعد ذلك بسنوات، ولكنه ليس بالطريقة الجيدة، سنشرح هذا لاحقًا. فيما بعد سيتم إنشاء الأمم المتحدة في محاولة لتعزيز التعاون الدولي، ومنع الصراعات المستقبلية، ومن أجل القيام بدورها ستبدأ الأمم المتحدة بعمل الدراسات، وجمع الإحصاءات الخاصة بفترات الحرب وما بعدها، وسينفضُّ الغبار عن تساؤلات عديدة، وعلى رأسها تلك الفجوة التي تتزايد عامًا بعد عام بين الدول الغنية/ المتقدمة، والدول الفقيرة/ النامية.
ما الذي يعنيه «تنمية التخلف»؟
نشأ هذا المصطلح مع التوغل في الأبحاث والدراسات الاجتماعية فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار التطور العلمي والتكنولوجي الذي صاحبه مزيد من التطور والتقدم للدول العظمى، مقابل تأخر الدول النامية على الرغم من موارد بعض هذه الدول وإمكاناتها اللامحدودة.
مع التأخر والفقر اللذين لحقا بالنصف الجنوبي تقريبًا من الكرة الأرضية بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول العظمى في منح مساعداتها لهذه الدول، مساعدات تكنولوجية وتقنيات علمية وتعليمية وأموال من المفترض أن تهدف إلى تحقيق نوع من التقدم لدى بلدان العالم النامي، لكن ما حدث، وما يزال يحدث في هذه البلدان هو العكس تمامًا، فعلى الرغم من المعونات الضخمة التي تبثها الدول العظمى، والأمم المتحدة في الدول النامية فإن هذه البلدان تبقى على حالها من الفقر والتأخر.
فما الذي يحدث إذن؟ نشأت العديد من النظريات التي ناقشت وفسرت مفاهيم التنمية، والتخلف، ومن خلالها نستطيع التوصل للمعنى الحقيقي لـ «تنمية التخلف» في عصرنا الحالي، ومن أبرز هذه النظريات كانت:
1- نظرية التحديث:
تُفسر هذه النظرية التطورات الاجتماعية التي تتجه بالمجتمعات نحو التحديث والتقدم من خلال العوامل الداخلية، المتمثلة في الموارد الطبيعية والبشرية، وخطط التنمية في بلدان العالم المختلفة، ويرى أنصار هذه النظرية أنه لكي تُفسِر تقدم مجتمع أو تأخره فينبغي عليك النظر لتلك الموارد، ورؤية الطريقة التي يتم بها استغلالها لتحقيق مصالح البلاد من عدمه، وترى كذلك أن عوامل تأخر الدول النامية تنبع من كون هذه الدول لا تعرف الطريقة المُثلى لاستغلال مواردها من أجل الوصول بها للتقدم.كذلك تضع هذه النظرية الدول المتقدمة نموذجًا ينبغي على الدول النامية اتباع خُطاه، وصولًا لما حققته هذه الدول من تطور ورُقي، بينما يؤخذ على هذه النظرية أنها وضعت النموذج الغربي للتنمية سبيلًا وحيدًا لتحقيق التطور في كافة المجالات، وأنها خلطت بين التحديث والتغريب، حيث جعلت التعريف الوحيد للتقدم والسبيل الوحيد للوصول إليه هو تبني قيم الحضارة الغربية بكافة جوانبها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وما سوى هذا لا يمكن الاعتراف به كنموذج لتحقيق النمو.
2- نظرية التبعية:
نشأت هذه النظرية كرد فعل على نظرية التحديث، حيث أنها ترفض كون الدول العظمى «النموذج الوحيد» للتنمية، بل يرى أصحاب هذه النظرية أن العالم أصبح ينقسم إلى مجموعتين هما: دول المركز «الدول الغنية»، ودول الهامش «الدول الفقيرة»، وأن الدول الفقيرة تتبع النظام العالمي السائد، والذي تضعه الدول العظمى، وهو ما يُعتبر نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الاستعمار التي فُرضت على الدول النامية، وترى النظرية كذلك أن الاستعمار جعل من الدول النامية مصدرًا للثروات والإمكانات التي دعمت تطوره وتقدمه دون أن تستفيد الدول النامية -المصدر الرئيسي للثروة- من هذا التطور شيئًا.تتصاعد أعمال العنف التي افتعلها المتمردون في أوغندا أوائل عام 1980، وبدأ على إثرها صراع امتد لأكثر من 15 عامًا بين الجيش الأوغندي، والمتمردين بزعامة حركتين هما: «جيش الرب» و«القوات الديمقراطية»، صراع كانت حصيلته عشرات الآلاف من القتلى والمشردين، وخسائر تُقدّر بالمليارات للاقتصاد الأوغندي، واضطرت معه الحكومة الأوغندية – في مرحلة ما من الصراع، وعلى خلفية تلك الخسائر وبضغوط خارجية قوية- أن تتراجع عن الحل العسكري في محاولة لإيجاد مخرج سياسي لهذه الأزمة لم تكن الحروب المتتالية وما يترتب عليها من خسائر فادحة هي المشكلة الوحيدة التي تواجه أوغندا، فمنذ أن نالت استقلالها عام 1962، وهي تتأرجح بين الأمم المتحدة، والدول الكبرى المانحة من أجل الحصول على المساعدات التي يمكنها بها تفادي مزيد من الخسائر، ومحاولة تدارك ما يمكن إنقاذه من اقتصادها المتهالك تحت وطأة الحروب المستمرة، لكن حتى هذه المساعدات -والتي توقفت بعضًا من الوقت خلال الحرب الأهلية ونتيجة اعتراض الدول المانحة على الصراع الدائر ومحاولتها الضغط على الحكومة للوصول لحل يُنهي النزاع- لم تكن أبدًا لتصل بأوغندا إلى الاستقلال والنمو الاقتصادي المرجو، فما كشفته الإحصاءات فيما بعد أثبت العكس تمامًا.فعلى سبيل المثال: عام 1986، وفي الوقت الذي كانت فيه أوغندا بحاجة ماسة للمساعدة، لم تستطع الحصول على قرضٍ من البنك الدولي إلا بعد موافقتها على الشروط التي وضعها صندوق النقد والبنك الدولي، تلك الشروط التي كانت بطريقة أو بأخرى، تخدم مصالح بعض الدول العظمى، والتي أصرّت على أن حصول أوغندا على المساعدات يتوقف كلية على قبولها لتلك الشروط من عدمه.ما سنراه بعد هذا من انهيار للاقتصاد، وتراجع في مستويات التعليم، وارتفاع نسبة الفقر، وانتشار البطالة، وارتفاع معدلات الجريمة، كل هذا رغم استمرار تدفق المساعدات من الدول العظمى إلى أوغندا، جعل التقارير والأبحاث تخرج لتخبرنا أن مساعدات الدول الكبرى ليس لها فائدة في تحقيق أي نوع من التقدم في الاقتصاد أو غيره؛ بل إن تلك المساعدات زادت من تبعية أوغندا للدول المانحة الكبرى، وجعلت اقتصادها يتوقف كلية على تلك المساعدات، بحيث أصبحت عاجزة عن تحقيق أي تقدم أو تطور يُذكر دون أن تنال موافقة الدول المانحة على ما ستتخذه من قرارات.ما حدث مع أوغندا تكرر كثيرًا مع العديد من دول العالم النامي ففي نهاية المطاف يتوقف الأمر على المصالح التي تسعى الدول الكبرى لتحقيقها دون اهتمام بنمو أو تطور الدول النامية، إلا فيما يخدم خطتها وأهدافها. بمعنى آخر، إذا كانت الدول الكبرى تريد حلًّا لأوغندا، أو غيرها، فيكمن الحلّ ليس فقط في هذه الـ «مساعدات والإعانات» وإنَّما يكمن في إعادة هيكلة هذا الاقتصاد المتهالك، وتخريج كفاءات لتديره، ليس أن تعطي المساعدات والإعانات الأولويَّة، بينما تذهب هذه الإعانات للمشردين والنازحين الذين هم ضحايا للصراع العسكري الممتدّ لسنواتٍ طويلة.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*