الآن

المسيحيون بين الانتماء التاريخي وتحديات الأرهاب

احمد عواد الخزاعي

ولدت المسيحية في المشرق العربي وتحديدا في فلسطين، فكانت هذه المنطقة هي مهد ومحل ولادة  السيد المسيح (ع ) والحيز الذي دعا فيه لدينه الجديد ، ويذكر الكاتب ول ديوراينت في كتابه قصة الحضارة عصر الإيمان ) .. إن المسيحية ظلت لمئة عام تشكل مذهبا من مذاهب الديانة اليهودية وينظر إليها على إنها حركة تصحيحية من داخل رحم اليهودية) ..  وبعد رحيل السيد المسيح (ع ) أخذت المسيحية تنتشر في بقاع الأرض باتجاهين  الأول في شمال افريقيا وأوروبا القديمة وبالتحديد في الامبراطورية الرومانية ، والاتجاه الاخر في المشرق العربي ، لذلك فالمسيحيون من  أقدم الأجناس والاثنيات التي عاشت بالمشرق العربي فهم بقايا الحضارات البابلية والاكدية والأشورية والفرعونية والكنعانية… وقد اعتنقوا المسيحية  عن طريق الرهبان الجوالين الذين انتشروا في المنطقة سعيا منهم لنشر دينهم الجديد 
لقد عاش المسيحيون في المشرق العربي عبر الأزمنة بفترات مد وجزر تبعا للظروف السياسية والاجتماعية التي عاشتها المنطقة، وكانت السمة السائدة هي التعايش السلمي، وكان الإسلام أول التحديات التي واجهتهم فعند دخول الجيوش العربية الإسلامية القادمة من شبه جزيرة العرب الى العراق وبلاد الشام ومصر،  خُير المسيحيون بين اعتناق الإسلام او دفع الجزية والتي تعد شكلا آخر للزكاة التي كان يدفعها الفرد المسلم، وقد تميزت المدة التي حكم فيها المسلمون المنطقة بانتشار روح التسامح والأخوة بين جميع الديانات والأقليات التي كانت تسكنها، وقد أبقى لهم الإسلام على كنائسهم ودور عبادتهم وسمح لهم بإقامة طقوسهم وشعائرهم الدينية من خلال العهدة العمرية التي سنها الخليفة عمر بن الخطاب عند دخوله الى بيت المقدس أثناء الفتح الإسلامي له .. ومن ابرز مظاهر نبل ورقي وسمو النظرية الإسلامية اتجاه الآخرين برزت بوصية الخليفة علي بن ابي طالب  لمالك الأشتر النخعي حين ولاه على مصر ذات الأقلية المسيحية القبطية، والتي سميت (عهدة مالك) بقوله له: (الناس صنفان أما أخ  لك في الدين أو نظير لك في الخلق ).. وبذلك وضع قاعدة إنسانية وأخلاقية لمفهوم العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم على مر التاريخ .. بدأت محنة مسيحيي المشرق مع بدء الغزوات الصليبية على المنطقة 1096 ميلادية، فوضعوا بين فكي كماشة التي تمثلت بالغزاة القادمين باسم المسيحية لتحقيق أطماعهم السياسية، وبين المسلمين الذين كان يمثلهم آنذاك دول الاعجام من سلاجقة وأيوبيين ومماليك، ومن ثم ظهور الدولة العثمانية التي رفعت الإسلام شعارا لها ومارست أبشع  أنواع التنكيل والإقصاء بحقهم، مما اضطر الالاف منهم إلى الهجرة لأمريكا الجنوبية، ويقدر عددهم اليوم بأثني عشر مليون مواطن مسيحي مشرقي يسكنون هذه القارة .. وبعد هذا التجذر لمسيحي  المشرق بأرضهم وانتمائهم كل هذه القرون، جاءت الآن السلفية الجهادية والتي هي بعيدة كل البعد عن روح ونهج ومفاهيم الدين الإسلامي الحنيف، لتعيث  فسادا بالمنطقة وكان المسيحيون من ضمن ضحاياها ففجرت الكنائس والأديرة وقتلت وشردت واغتصبت باسم الإسلام، وما حدث ويحدث الآن في مصر وسوريا والعراق من عمليات قتل وتهجير وتنكيل بحق هذه الطائفة، خير دليل على ذلك ويعكس مدى حجم المؤامرة عليها ومن ورائها على المنطقة بأسرها، ففي 31 تشرين الأول عام 2010 استبيحت كنيسة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد، من قبل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، أثناء احتفال هذه الطائفة بعيد جميع القديسين، وراح ضحية هذه العملية الإرهابية المئات بين شهداء وجرحى، وعانى الآلاف منهم في الموصل محنة القتل والاغتصاب والتشريد، على يد داعش الارهابية التي سيطرت على هذه المدينة، والتي تعد معقل المسيحية في العراق، ونتيجة لهذا الاستهداف الممنهج بحقهم منذ سقوط الصنم عام 2003 ولغاية الآن، اضطر الكثيرون منهم إلى مغادرة العراق إلى دول العالم الأخرى حفاظا على أرواحهم وكرامتهم من هذه الجماعات المتطرفة، وتقدر الإحصائيات بان عدد المسيحيين قد تناقص في العراق من ثمانمئة ألف إلى أربعمئة ألف شخص خلال الـ(12) سنة الماضية، بسبب المخاطر التي يواجهونها .. وفي مكان آخر من المشرق العربي كان هناك استهداف آخر للمسيحيين حمل نفس الصبغة والتوجه ففي عام  2011 تم تفجير  كنيسة القديسين مار مرقص والبابا بطرس في الإسكندرية بانفجار كبير أمامها في احتفالات أعياد رأس السنة الميلادية، وهذا جزء من سلسلة اعتداءات طالت هذه الطائفة في مصر خلال السنوات القليلة الماضية ، واخرها تفجيرا طنطا والاسكندرية اللذان طالا كنيستين للاقباط راح ضحيتهما العشرات من الشهداء والجرحى  ليستمر هذا المسلسل البشع ضد شركائنا في الأرض والأوطان، ليستطيل الى سوريا ذات الاقلية المسيحية لتأخذ حصتها من القتل والتشريد وانتهاك الحرمات، كما حدث في بلدة معلولة والتي تعد من أقدم المدن المسيحية في المشرق العربي ويعود تاريخ كنائسها لأكثر من ألف وخمسمئة عام، فقد انتهكت حرمتها وهدمت معظم هذه الكنائس وخربت على يد داعش وجبهة النصرة .. وهنا السؤال المحير، ما الهدف الذي تسعى الى تحقيقه تلك الجماعات المتطرفة من قتلها وتهجيرها للمسيحين ؟  يقتل المسيحيون في المشرق العربي على يد المتطرفين المسلمين، واوروبا تفتح ذراعيها للفارين منهم لتمنحهم اللجوء الإنساني والجنسية .. هل تسعى أمريكا وأوروبا المسيحية، الى إفراغ المشرق العربي ولاسيما العراق منهم لتحوله الى إمارات إسلامية متطرفة ، تتصارع فيما بينها ؟  أم إن أوروبا الهرمة التي تعاني من انخفاض مستوى الإنجاب،  بحاجة إلى دماء جديدة والأفضل أن تكون هذه الدماء مسيحية وليست مسلمة ؟ 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*