الآن

المجاملات..لمَاذا؟

نزار حيدر

   أَخذت مدينة أَربيل {زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} ولبِس مبنى البرلمانُ أَجملُ أزيائهِ الشَّعبيّة استعداداً لاستقبالِ الوفود الرّسمية وشبه الرّسمية التي دُعيت لحضورِ اِحتفاليّة التّوقيع على الاتّفاق الستراتيجي التّاريخي!.   فقد دُعيَ البرلمان الكُردي الى اجتماعٍ هو الآخر تاريخي حضرتهُ وفودٌ وضيوفٌ عِدَّة كنتُ انا أَحدهُم، فقد امتلأَ الصفّ الأَوّل من قاعة البرلمان بِنا!.   وبعد أَن ألقى قادة الحِزبَين وعلى رأسهم مام جلال طالباني وكاك مسعود بارزاني كلماتهُم الرّنّانة التي ألهبت مشاعر الحضور! تمَّ الإعلان في نهاية المطاف عن ولادةِ الاتّفاق الستراتيجي التّاريخي الذي مدَّتهُ (١٠) أعوام وقد حرَّم الاقتتال الكُردي الكُردي مهما كان السَّبب!.   اِنفضَّ الاحتفال وخرجَ الجميع من مبنى البرلمان مستبشرينَ فرحينَ مطمئنِّينَ
   لم تمرّ (٤٨) ساعة فقط حتى اندلعَ أَعنفُ قتال استمرّ بشَكل مفجع ومؤلمٍ انتهى بسيطرة قوّات الاتّحاد الوطني على أَربيل بالاضافةِ الى السُّليمانيَّة التي يُسيطر عليها بالأَساس، كونها معقلهُ التّاريخي! فيما حوصرَ الحزب الدِّيمقراطي بمصيف صلاح الدين وشقلاوة! وهو الأَمرُ الذي لم يقبل بهِ الحزب كأَمرٍ واقعٍ بأَيِّ شكلٍ من الأَشكال! فكان أَن لجأً الى حيلةٍ مثَّلت الطّامّة الكُبرى! الى الطّاغية الذّليل صدّام حسين ليطلب مِنْهُ المساعدة العسكريّة لطردِ خصمهِ اللَّدود الذي وقَّع معهُ للتّوّ الاتّفاق الستراتيجي التّاريخي!.   لم يتردَّد الطّاغية في الاستجابةِ للطَّلب ولم ينتظر طويلاً أَبداً! فطلب المساعدة من كاك مسعود يُعتبرُ بالنّسبةِ لَهُ الفُرصة الذَّهبيَّة التي طالَ انتظارُها ليُثبتَ للكُردِ قبل غيرهِم أَنّ مردَّهُم وملجأهُم في نِهاية المطاف الى بغداد!.   صباح اليوم التّالي اجتاحت قوّات بغداد مدينة أَربيل لتدمِّر اولا وقبل كلِّ شَيْءٍ مقارّ المعارضة العراقيّة وتعتقل العشرات من عناصرِها وتنقلهُم الى بغداد ليتمَّ بعد ذَلِكَ إعدامهُم جميعاً!.   ولولا لطف الله تعالى لكنتُ أَنا وعائلتي مِمَّن أَلقت المُخابرات العراقيّة عليهم، اذ اصطحبتها القوّات العراقيّة معها لحظة اجتياح أَربيل، والقت القبض عليهِم واصطحبتهُم الى بغداد لمواجهةِ المصير المحتوم!.   وهكذا عادَ الحقدُ والكراهيّة والحرب المُفترضة بين الحزبَين الحاكِمَين الى سابقِ عهدها! فلقد تمَّ تجريم [اللّون الأخضر] في أَربيل ولم يَعُد أَحدٌ يجرُؤ على الاجهار بولائهِ للاتّحاد الوطني! ولقد زاد من أوارها فشل ما سُمِّي وقتها بـ [حرب التَّحرير] التي أَعلن عنها رئيس المجلس التَّنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي الموحّد المرحوم الدّكتور أَحمد الجلبي! وبتصرُّفٍ شخصيٍّ لا علاقةَ لَهُ بحركةِ المُعارضةِ التي كانت تنضوي تحت لواء المؤتمر! في تلك القصّة المعروفة التي أَتمنّى أَن يُسعفُني الوقت يوماً لتدوينِ تفاصيلها للتّاريخ!.   استمرّ الانقسام الكُردي الكُردي على هذا الحال الى العام (٢٠٠٣) عندما قرَّرت إِدارة الرئيس بوش تفعيل قانون تحرير الْعِراقِ والذِّهاب لاسقاط نِظامُ الطّاغية الذّليل صدّام حسين!.   فهل كان بالامكانِ أَن تذهب الولايات المتَّحدة الى الْعِراقِ في ظلِّ الانقسام الكُردي الكُردي؟! بالتَّأكيد لا لأَنّ الكُرد بالنّسبةِ الى واشنطن حلفاءَ مُحتملون أَكثر من أَيِّ طَرفٍ سياسيٍّ آخر من أطراف حركة المعارضة العراقيّة!.   استدعى الأَمريكان الزَّعيمَين الكُرديَّين مام جلال وكاك مسعود الى واشنطن بطائرةٍ عسكريَّةٍ خاصَّةٍ حملتهُما من قاعدة إِنجرليك التركيَّة للتَّباحث معهُم بشأن ضَرورة تجميد خلافاتهِم وترحيلِها الى ما بَعْدَ التّحرير والّا فانّهم (سيزعلونَ) عليهِما!.   وبالفعل جمَّد الزَّعيمان كلَّ خلافاتهما وشاركا كَتِفاً الى كتفٍ في مَشروعِ التّغيير عام ٢٠٠٣!.   لقد جمَّد الزُّعماء الكُرد خلافاتهم ورحَّلوها الى إشعارٍ آخر ولكنَّهم بالتأكيد لم ينسوها أَبداً! فإلى الآن أَسمع بعضهُم يقولُ بأَنّهُ ليس بوسعهِم نسيان ما فعلهُ كاك مسعود معنا عام (١٩٩٦) في إشارةٍ الى طلب المساعدة من الطّاغية ضدَّهم!.   وهكذا عادت اليوم نَفْسِ المشاكل بينهُما وأَكثر، حتّى انقسمَ إِقليم كُردستان عملياً الى إِقليمَين واحِدٌ في الشِّمال وآخرٌ في الجَنوب! ولولا المراقبة الأَمريكيّة والأوروبيَّة المستمرَّة للعلاقة بينهم لانفجرَ الاقتتالُ مرّةً أُخرى وبأشدِّ ما يَكُونُ رُبما  
   لماذا كلّ هذا؟
   لأَنّهم أَرادوا حلَّ مشاكلهِم الحقيقيّة بأَقصى المُجاملات
والى هذا اليوم استمرَّت المواجهات الكُرديّة الكُرديّة بطُرُقٍ عِدَّة! وستستمرّ
   هذا انموذجٌ عراقيٌّ! فهل عرفتُم لماذا ظلَّت الأَزمات تترى على العراقييّن منذُ التّغيير عام ٢٠٠٣ والى الآن؟  
 



This post has been seen 10 times.