الآن

العرس العراقي

كاظم شمخي


لا يختلف العقلاء على ان الحرب تنشب عندما تعجز الكلمة عن اداء دورها ويعيا الحوار عن تقريب وجهات نظر مختلفة .     
تحدث الحروب بسبب التزمت وعدم الاحتكام الى المنطق ومعايير العدل وتبرز القوة وسيلة للحسم و لانهاء الخلافات بين الفرق المتنازعة او الدولة المختلفة وهي على انواع منها حرب الكلمة والاعلام والحرب الاقتصادية واخيرا الحرب العسكرية . 
وقد خاض العراق كل انواع الحروب عبر تاريخه الطويل  ويكاد لا يمر جيل الا ويتعرض لواحدة او اكثر من هذه الحروب وكان اهمها واخطرها الحرب ضد عصابات داعش لانها متعددة الصفحات فهي حرب عقائدية وحرب تحررية وحرب دولية . وعلى المستوى العقائدي فان داعش عصابة منحرفة فكريا عهد لها ان تحارب الاسلام كتابا وسنة من الداخل وتشيع افكارا واحكاما وتقاليد نبذها الاسلام ان لم يكن قد حاربها وكفر مروجيها .. اما كونها تحررية فانها قامت على اساس طرد زمر مسلحة بطريقة او اخرى استطاعت ان تفرض سيطرتها على ثلث مساحة العراق التي  تضم خمس محافظات عراقية ذات مكونات دينية و اجتماعية و عرقية وثقافية مختلفة لها جذور حضارية قديمة ويشكل المسلمون ( السنة  ) اغلبية سكانية في هذه المحافظات . 
وليس صعبا اثبات تأثير الفكر الوهابي والصهيوني والمعولم على هذه الاغلبية تلبية لدعوة مشبوهة ومضللة وضارة  تهدف الى تقسيم الوطن الى اقاليم تهيمن عليها قوى سياسية مريضة و عميلة لا تخدم الا مخططات اجنبية – اقليمية وعالمية  – لاضعاف العراق عن اداء دوره السياسي والحضاري واعادة حضوره النهضوي في وقت تشهد المنطقة والعالم تغيرات سريعة و خطيرة .
ان الحرب ضد داعش تختلف عن الحروب الاخرى التي شهدها تاريخنا المعاصر لانها داخل المدن العراقية الامنة استخدمت فيها كل صنوف الاسلحة وتخللتها ممارسات وحشية ضد اقليات مسالمة وكانت انتهاكات حقوق الانسان  تمثل  جرائم ابادة بحق مواطنين ينتمون الى مكونات ثقافية عديدة واديان مسيحية وصابئية وكلدانية و ايزيدية وطوائف اخرى  .  
ويعد  تدمير عصابات داعش المتوحشة للمعالم الحضارية والشواهد التاريخية القديمة جريمة  بحق الانسانية والثقافة العالمية وكانت مظاهر سبي النساء العراقيات الايزيديات محل استهجان و استنكار وادانة لانها اعادت البشرية الى مرحلة العبودية واحياء سوق النخاسة . وما كان ملفتا للنظر ان عصابات داعش المجرمة مدعومة من قبل  قوى دولية و اقليمية باتت معروفة واخرى داخلية لا تريد للعراق خيرا  و وحدة و استقرارا ونهضة وهي ذات الغايات التي وحدت تلك القوى . 
وقد تم استثمار الوضع الوطني الذي اقلقه الارهاب والفساد والصراع السياسي في تمرير المخطط اللئيم والغادر وكادت النتائج تكون كارثية لولا قرار المرجعية الرشيدة الذي قلب السحر على الساحر!! ولا بد من الاشارة الى امرين مهمين الاول هو الاستعداد البطولي لقواتنا المسلحة  بكل صنوفها القتالية الامنية و الشرطة ..بعد تنقيتها و تجديدها بدماء وطنية و عقائدية .. والثاني ان الذين لبوا نداء المرجعية متعددو الاديان والطوائف الثقافات والانتماءات السياسية المؤمنة بمحتوى الدعوة واهدافها واستعدت نفسيا وتعبويا لابعاد شبح الزحف عن العاصمة والمراقد المقدسة التي صرح بها داعشيو السياسة المتأمرون من على منصات الشحن الطائفي . 
وكانت بشائر النصر تتوضح مع الزحف الوطني المقدس وهو خليط متجانس من الجيش والشرطة وقوى الامن الى جانب ابطال الحشد الشعبي الذين تمت تعبئتهم عسكريا و معنويا على قاعدة حب الشهادة والتضحية من اجل الوطن الواحد وانطلق زحفهم التحرري قبل اعلان ساعة الصفر بعام كامل تقريبا  فضلا عن قوات تحالف دولي . 
وقد مثل هؤلاء الافذاذ الامتداد الطبيعي لكل الثورات التاريخية المجيدة ضد الظلم والانحرافات العقائدية  والاطماع الاجنبية .
 كانت هناك مواقف بطولية عراقية فيها تضحيات جسام وفيها جرأة على الاقتحام وفيها مطاردة اسطورية من مكان الى مكان ولا نستغرب ان قواتنا الباسلة والحشد المقدس الذين اطبقوا بقوة على فلول داعش ان يتاخر نصرهم وواضح من تغطية الاعلام الحربي والمراسلين الذين غطوا مشاهد حرب مروعة تنتقل من بيت الى بيت ومن شارع الى شارع و من حي الى اخر لان العدو المجرم اتخذ من المواطنين المدنيين دروعا بشرية و ارادت المرجعية والقيادة العسكرية ان تقل الخسائر بالارواح  وفي ظل ظروف معقدة وتقلبات مناخية سجل الشرفاء العراقيون ملاحم في غاية الروعة والتقدير وظلت وسائل الاعلام الاعتيادية والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي تتابع المفاخر العراقية وحين زفت  القيادة العسكرية النصر المؤزر على داعش المتوحشة كان العالم اكثر ابتهاجا وغبطة لانه في حقيقته انتصار للبشرية على فلول مجرمة اكثر بربرية ووحشية في تاريخ العالم المعاصر 
 اذا لا يعد هذا النصر وطنيا فحسب رغم عراقيته الواضحة انما هو ذو ابعاد انسانية وحضارية دولية تزامن مع تأهب الاسرة الدولية للتصدي لكل مخطط ارهابي و اصبحت بطولاتنا  مثارا للاعجاب وهذا هو بحق الوزن الحضاري للعراق  
ولا يفوتني ان اذكر ان جبهات القتال التي لم يسجل فيها تراجع او هزيمة انما هي انعكاس لجبهة داخلية متماسكة وقوية رغم وجود عناصر كانت تخفي امنيات الردة والهزيمة مثلما تخفي الافاعي والعقارب سمومها .  
النصر عراقي  عضدته ارواح الشهداء الاحياء ودماء الابطال التي عفرت ارض الوطن  وعرق المجاهدين وصبر الشعب بكل اديانه وطوائفه ومكوناته وثقافاته ودعاء الامهات الثكالى والصالحين ودعم المواطنين بكل ما استطاعوا ان يقدموه من خدمات لوجستية ومؤن غذائية وادوية ولوزارة العمل والشؤون الاجتماعية خدمات جليلة في هذا المجال وقد امتد الى اسر الشهداء  والمقاتلين وللابطال الجرحى و المعاقين واليتامى والارامل كما لا ننسى ان المهندس محمد السوداني كان اول مسؤول وطني يتفقد احوال وظروف كل من المقاتلين والمواطنين في المدن المحررة ولم يتوانَ ابدا عن تفقد المناطق المحرره والمشاريع الصناعية التي تعرضت للتدمير ومنها شركة كبريت المشراق وكان له حضور فاعل يجسد حالة التواصل والتفاعل العراقي مع انموذج النصر الذي صنعته السواعد العراقية.
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*