الآن

العبادي والقمة

د. سعدي الابراهيم 


عندما كانت بلاد الرافدين في ايامها القديمة تمر بحالة من اليأس والقنوط، كان الاله تموز وحده القادر على احياء الامل، وبث الحياة والزرع والخصب والخير، لكنه سرعان ما يرحل ويبقى العراقيون يراقبون السماء علها تبعث لهم تموزا اخر.
لا تختلف ولاية السيد حيدر العبادي الاولى عن ولاية سلفه السيد نوري المالكي الاولى. فكلاهما جاء بعد سنوات عجاف من اليأس والهم والقنوط، المالكي تبوأ رئاسة الوزراء عام 2006، وكان العراق على شفا الانهيار التام، القتل على الهوية، بل على الاسماء، والمناطق معزولة. ولكل دولة وكيان في العالم يد خفية ملطخة بدم العراقيين تمارس عملها المخابراتي غير الشريف. فضلا عن ضياع ثروات البلاد، وتحطم البنى التحتية، وفوق كل ذلك ليس للبلاد سيادة على اراضيها بفعل وجود الاحتلال الامريكي.
العبادي هو الآخر، جاء كمخلص للعراق من الاحتلال الداعشي، جاء كي يعيد المياه الى مجاريها بين ابناء الوطن، وليعيد للعراق علاقاته الاقليمية والدولية. ولا أحد يستطيع ان ينكر بأن ولايته الاولى قد حققت اهدافها ، وان حال العبادي اليوم مثل حال المالكي في عام 2010، خرج منتصرا من المعركة فهل سينجح في المحافظة على موقعه في اعلى القمة، ام ان النزول منها قد كتب على زعماء العراق بعد عام 2003؟
على العبادي ان يفكر بالآتي:
1 – من الممكن ان يبتعد عن الواجهة، اي ان يرفض الترشيح لمنصب رئاسة الوزراء مرة اخرى. وهنا سيحافظ على نصره، ويبقي صورته كبطل حرر العراق من داعش مطبوعة في الذاكرة العراقية.
2 – للنصر ألف أب. هذه الحكمة الانكليزية تعني ان هزيمة داعش اشتركت فيها المرجعية وجميع المكونات فضلا عن الدول الاقليمية والبعيدة. إذا فشل في ان يرضي كل هذه الاطراف فلن يقفوا معه في الحرب على الفساد وفي وضع البلاد على طريق التنمية. لذلك لابد له من الابقاء على علاقته معهم.
3 – أخطأ عبد الكريم قاسم عندما ضرب الاقطاع، لأنه تجاهل الخطط العلمية البريطانية، التي ارادت خلق طبقة وسطى منتجة تدير الدولة مستقبلا. وربما ان العبادي إذا ضرب الفساد مثل قاسم، قد يشل حركة البلاد التي يشكل الفساد فيها شبكة تتغلغل في كل مفاصل الدولة وتسري في دمها.
4 – المصداقية، الشعب العراقي معروف عنه الحكم السريع على الاشخاص والتجارب وعدم الانتظار. الحرب على الفساد تحتاج الى وقت كي تظهر ثمارها ومردوداتها على المواطن والناس تحتاج الى دفعات سريعة من الانجازات: امتصاص البطالة، تفعيل الزراعة والصناعة. والا فان الحرب على الفساد ستكون مجرد وهم مثل حركة الاصلاح التي أطلقها قبل سنوات وانتهت الى لا شيء.
5 – الشيء الاخر المهم الذي على العبادي اخذه بالحسبان، هو ان وقوف الجميع معه في حربه على الارهاب، ليس بالضروري ان يكون حبا به او بالعراق، بل ان اغلبهم فعل ذلك حفاظا على مصالحه التي ضربها داعش. وعلى هذا الاساس فلن يكون مستغربا ان ينقلب البعض ضده في المستقبل، لأن الحرب على الفساد والتنمية قد لا يكون للجميع مصلحة فيها، إذا ما قلنا انها قد تضر البعض منهم. وهنا ايضا ينبغي على العبادي ان يوفر للبعض منهم مصالح او على الاقل ان لا يمس مصالحهم.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*