الآن

الشـــنــــاشــــيــــل تـــــاريــــــــــخ وجـمـــــــــــــــــال

ابراهيم الدهش 
من أجمل ما قرأنا في درس المطالعة والنصوص عندما كنا طلبة في الدراسة الإعدادية هي قصيدة (شناشيل إبنة الجلبي) للشاعر بدر شاكر السياب حينها كانت الثقافة ومطالعة الكتب تأخذ القسط الاوفر من اهتماماتنا ربما كان السبب يعزى الى حبنا لمدرس اللغة العربية آنذاك وربما عشق الصبا يأخذنا الى إبنة الجلبي.

لذا سنكون اليوم مع الشناشيل ولنتعرف عن تفاصيلها ولماذا وظف السياب في قصيدته شناشيل ابنة الجلبي . كثير منا تعايش بين كفوف الشناشيل ورسم بين شقوق أخشابها أجمل الصور لذلك بقيت الى يومنا هذا راسخة في أذهاننا.تعد الشناشيل معلماً تاريخياً مهماً وعنواناً لقدم وحضارات أغلب المدن التاريخية فكانت البصرة قبل  بغداد معروفة بشناشيلها خاصة في أغلب احيائها القديمة التي كانت في مركز المحافظة وما يعرف بالبصرة القديمة وكذلك عند البيوت المطلة على شط العرب . أما في بغداد فكانت الأعظمية والفضل و باب الشيخ و البتاوين و الحيدر خانة و أبو سيفين في جانب الرصافة والرحمانية و الكاظمية في جانب الكرخ وهناك مدن أخرى كانت الشناشيل أحد المعالم فيها مثل مدينة العمارة مركز محافظة ميسان وقضاء سوق الشيوخ في محافظة ذي قار. وقد عرفت الشناشيل في العراق منذ القرن السابع عشر الميلادي . والشنشول هو مفردة الشناشيل التي قيل عنها إنها فارسية الأصل . وهي مكونة من مقطعين (شاه شين) أي بمعنى محل جلوس الشاه ، ولها عدة مسميات مثلا كانت تسمى الروشين التي مفردتها الروشن وايضا هي لفظة فارسية ومعناها الضوء ،  وهنالك رأي اخر أن استخدامها منذ العصور الإسلامية !! أما أين يكمن تواجد الشناشيل في البيوت ، فغالبا ما تكون في الطابق العلوي للبيوت وبعض الأحيان تكون في مقدمة الأراسي في داخل البيت . والأرسي أو الأراسي هو مكان الضيافة ويكون أما وسط الحوش (وسط البيت المفتوح من السقف والذي يحيط به الغرف من الجوانب) أو الطابق العلوي فتكون الشناشيل في مقدمة الأراسي المطلة على الزقاق وهو (شبيه للهول حاليا) أي غرفة (المعيشة) التي هي مخصصة للضيوف غير الرسميين . أما جمالية الأرسي في وسط الحوش فهي تكمن في نقوش وعمل الزجاج الملون المطعم بجدران الأراسي مع مهارة الحفر على الأخشاب . والمواد التي تدخل في صناعة الشناشيل هي من الخشب الجاوي الذي كان يستورد من الهند ومن مدينة (جاوة) . وما أجمل تلك الرائحة التي تنبعث من ذلك الخشب . وسبب اختيار الأخشاب في صناعة الشناشيل ذلك لخفة وزنه أذا ما قورن بالطابوق بحيث لا يكون حملا ثقيلا على السطح وكما هو معروف فأن أغلب السطوح كانت تسقف أيضا من الخشب ، بالإضافة الى برودة الاخشاب التي تقينا من حر الصيف حيث كنا نعاني سابقا من عدم وجود أجهزة التبريد الحديثة ولرخص ثمن الخشب كان من اسباب العمل به أيضا والأهم من ذلك إن وجود الشناشيل وإطلالتها على جيران الحي كانت سببا في تطبيع العلاقات الإجتماعية وتحسينها فيما بينهم حيث كانت الشبابيك ذات فتحات مثلثة يستطيع الجالس في الداخل رؤية من كانوا خارجا وخاصة من الذين يسيرون بين الأزقة . فكان  وقت العصر وقبيل الغروب و وقت الضحى حديث الجيران مع بعضهم بعدما يتم فتح قخمات (الشبابيك) والقخمة من ملحقات الشباك وطريقة فتحها أما ان ترفع الى الاعلى او تتكون من قطعتين من الخشب المنقوش تفتح اما الأثنان معا او واحدة منها ومقطعة بقطع خشبية بحيث تتحرك الى الاعلى او للأسفل لغرض المشاهدة وهناك اقفال خاصة (رزات) تغلق بها الشبابيك والرزات اقفال صغيرة لمجرد الغلق والفتح وهذه القخمات او القخمة غالبا ما تكون في الأراسي التي توجد في داخل البيت ايضا وتفتح ايضا كما هو الحال في الطابق العلوي الغاية منها تهوية المكان والنظر من خلالها الى خارج الدار . ولخفة وزن الأخشاب كانت حركة القخمات سهلة ، وقد حافظت على طابعها الخاص فهي مطعمة بالزخارف المتناظرة من الفسيفساء ، ومن أيجابياتها أيضا سهولة النقل من مكان لآخر . وللشناشيل أهمية أخرى تضاف الى جمالية المنزل في النقوش وعمل المثلثات والفن الجميل فهو تحمي المارة من اشعة الشمس وخاصة عند مرورهم في الأزقة (الدرابين) والدربونة ممر او طريق يوصل بين الأزقة لا يتجاوز عرضة المترين . وتكمن جمالية النقوش والزخرف في واجهة  الشناشيل في لمعانها وغالبا ماتدهن بدهان عطري يعطي رائحة زكية لها بحيث ينجذب المارة لتلك العطور الفواحة وكذلك تربط مع البعض بشريط حماية لها ويزيدها رونقا وجمالا. ولم تقتصر جمالية البيوت على الشناشيل فقط بل كانت هنالك الابواب الخشبية التي تمتلك فن الشناشيل ذاته من حيث النقوش والزخرفة والتطعيم . والجميل والمميز فيها هو وجود مطرقة في الابواب التي تنوب عن (الجرس) في وقتنا الحاضر ، حيث تكون مطرقتان سهلتا الحركة في كل جهة من الباب الرئيس واثناء الطرق على أحداهما يكون صوتها عال وبخشونة دلالة ان الشخص الطارق هو رجل فيخرج له احد رجال الدار وتكون في الجانب الأيمن والثانية التي أقل ارتفاع وصوتها عندما يستخدمها الطارق يكون  واطئا وتطرق من قبل النساء فتخرج المرأة لها وتكون في الجانب الأيسر من الباب وفي اعلى الباب الرئيس ، وعلى شرفة السطح كان هناك شباكا صغيرا  يدعى (الرازونة) على شكل مثلت في وارش السطح ، والوارش عبارة عن  سياج السطح بحيث ينظر الذي في السطح الى الشخص الطارق دون ان يشاهده احد من الشارع وغالبا ما تكون  هذه الابواب عند العوائل الميسورة والذوات اضافة الى وجودها في (الخينان) اي المجمع الذي توضع فيه المواد بمعنى في المخزن الكبير وأجمل ما في النقوش والزخارف الموجودة في الابواب ولحد الان كان تاج الملك (ملك بريطانيا) منقوشا ومزخرفا على الباب اعتزازا بالملك ، وتدلل على ان الابواب كانت موجودة  منذ تلك الحقبة.. وختاما نأمل من الجميع وصحاب القرار الاهتمام بهذه المعالم التاريخية والحضارية التي تشير الى عمق وتاريخ مدننا القديمة والأصيلة التي بدأت عواصف الزمن تمحو تلك الاسماء والمسميات الجميلة وجرفت معها.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn