الآن
الشعراء الصعاليك الجدد في العراق ..الهوية الفرعية بين التصدع وإعادة الانتاج

الشعراء الصعاليك الجدد في العراق ..الهوية الفرعية بين التصدع وإعادة الانتاج

د. فوزي ثعبان الموسوي 
 

    الصعاليك الجدد والهوية الفرعية
إنَّ من شأن تمرد الشعراء على السلطات الدينية والسياسية والاجتماعية أن يحدث امرين اثنين في الغالب، أما أولهما، فهو: الانسلاخ عن المشتركات التي تشكل هوية الانتماء والمساكنة والانضواء تحت مظلة الثقافة المهيمنة، إذ يعني التمرد والانسلاخ نزعة هوية الثقافة السائدة (الرئيسة والمهيمنة) وليس من المستغرب أن يكون أول أمثلتنا الشعرية هو اتخاذ عبد الامير الحصيري عروة بن الورد قناعاً شعرياً، فكأنه يؤكد تزعمه الفعلي والعملي لجماعة شعرية تعيد انتاج جماعة شعرية قديمة على وفق مقتضيات تاريخية وزمنية ومكانية جديدة من القبيلة الى المدنية. إذ يقول على لسانه:
أنا « عروة الورد  «..
شيخ الصعاليك.. 
منذ ابتداء الزمان 
ويقول مرة اخرى:           
أنا « عروة الورد «   
شيخ صعاليك ازمنة الارض؛
رمز بطولة هذا الزمان المكلل بالنار.؛
رمز الجبابرة الكادحين!!
مماهياً نفسه مع قناعه متحدثاً من خلاله وممتصاً زعامته، فكأن الحصيري هو شيخ الصعاليك الجدد مثلما كان عروة شيخاً للصعاليك القدامى تلك الزعامة التي تجمع حولها المريدين كما يقول: 
وكل جياع الصحارى عيالي
ومما يمتاز به الصعاليك الجدد على القدماء تفوق احساسهم بالجماعة فلم يرد عن الصعاليك القدماء ان ذكروا بعضهم بعضاً في شعرهم، على غرار ما فعل الصعاليك الجدد، فلا عجب ان تلك الزعامة الفعلية التي استمدها الحصيري من عروة بن الورد سيعترف بها افراد جماعته من شعرائنا موضوع الدراسة، وربما لا يجاريه أو قد يتفوق عليه في ذلك جان دمّو ذلك الزعيم الآخر لجماعة الصعاليك الجدد. 
فهذا عبد القادر الجنابي يلمح الى ابوة هذين الزعيمين حينما يقول: 
أخذنا حديث مساقه:
الانسان ذو البعد الواحد، 
ربيعُ براغ، 
دور الستالينيين، 
حركة ايار، 
اعتقال جان دمّو
لتخلفه
عن اداء الخدمة العسكرية…. 
وبجعل كزار حنتوش من عبد الامير الحصيري مقياساً يتجاوز مقياس رختر المقام حتى الآن على درجات اقصاها تسعة من قصيدة سماها (زلزال مقداره 11 درجة على مقياس عبد الامير الحصري))، وهذا الزلزال لا يمكن ان يكون من خلال القصيدة إلاّ تصعيداً في الصعلكة وقمة لها، إذ لم يحدث زلزال حتى الآن اكثر من تسع درجات يقول فيها:
قمرت اللحية، وتقنبل قلبي. تشابهت أيامي كعربات القطار.
نهشت عافيتي الخمرة، والبراغيث، واصدقاء (هات.. أخواتها…). 
الهوية : التصدع واعادة الانتاج
إنَّ الهوية المتصدعة من جراء التمرد بأشكاله التي مرت بنا ربما اعادت انتاج نفسها لتتشكل من جديد في ميدان مختلف وبإيهاب مغاير عمدته التشاكل الفني فيما بينهم الذي تلى ذلك التشاكل والتماثل في الانسلاخ عن هوية الثقافة المهيمنة بلحاظ التمرد بأشكاله. ويتجلى التمرد الفني الشعري في التخلص من سلطة الابوة الشعرية (البترباركية) المتمثلة بكل من الشعر العمودي والشعر الحر وإنا نجد بوادر ذلك التخلص أو ما يسمى بـ (قتل الاب) لدى احمد الصافي النجفي حينما يراوح – كما ذكرنا- بين تبني ابوة المتنبي ومحاولة قتل تلك الابوة، فمرة يقول:
قد تلاقى فكري بمعنى جميل
 وأبا الطيب الرفيع الفّن
  فاذا بي أحس تأنيب شعري
 واذا بي خجلان منه، ومني
  كان عذري اذا التقينا شعوراً
 دون قصد لسرقة أو تجّن
  ودليلي نار تؤجّ بشعري
 وتلظّي الاسى، وقوّة لحن
  ان ناراً في شعره أحرقته
 مثل نارٍ في الشعر قد أحرقتني
  او ما كنت صنوة في ابتكار
 وبكبر، وفي طموح، وغبن
  يلتقي فكره وفكري، وعزمي
 مع عزم له، وشأن كشأني
  واذا ما استعرت منه فأني
 لأخوه أو أبنه بالتبني
  بعثت روحه بشعري وروحي
 عنه أنبي روحاً وينبيء عني
  واذا عاد كنت أعطيه مني
 فوق ما قد اخذته، دون من
  ليس عاراً للمبدعين استعاروا
 اي معنىً من أي لفظ ووزن
  فالمعاني العظام بين يديهم
 اممّوها تأميم جنة عدن
  آخذ ذا من ذا ومعطِ لهذا
 شركاء، كشركة الاب وابن
  وعلى غير مبدع حرموها
 حظه، حسرة لها وتمني
  وهي مرواحة بين التبني ونكرانه تعد مدماكاً سوف نراه مستقراً لدى شعراء المجموعة الاخرين في تشكيل هوية فنية قائمة على النأي بعيداً عن الشعر العمودي والحر بكل وضوحهما واعراضهما التعبيرية والايقاعية.
وينزع شاعر آخر نحو التخلص من ابوة السياب هو احمد أمير في قصيدة سماها (الشاعر) ، ومرحلة ما بعد السياب متمثلة بعبد الرزاق عبد الواحد 
ويتخذ عبد الامير جرص من محمد مهدي الجواهري رمزاً لأبوة الشعر التقليدي الكلاسيكي ليتمرد عليه وعلى ما يمثله في قوله: 
أما أنا فأرى العكس
أرى ان الجواهري لم يعش سبعة وتسعين عاماً
بل على العكس تماماً
انه مات سبعة وتسعين عاماً
إذ منذ نعومة اظفاره والجواهري يشعر بالموت الى العراق هذا الموت الذي يبلغ حنين الواحد منا سبعة وتسعين عاماً من الترقب.
وفي اعلان صريح عن تمرده على تقليدية الشعر يقول: 
هل سألغي الناقة من وطني لأضفي عليه الكنغر ؟
.. ما زال الشعر عمودياً وما زالت القصيدة تتناغم مع ابطاء الناقة وهرولتها في بحور من الشعر
يتلاطم موجها ليهدم بناءات قصيدة النشر في رأسي
حيث القصيدة في بحر الرمل تغرق
حيث المتدارك مرهون بتداركنا للشعر،
بحيث يرفع الحطيئة من شأن أنف الناقة، بينما جرير يحط والفرزدق يعلي، هكذا.
ويشنع نصيف الناصري على السياب ما يمكن تسميته (لديه) بالخدر اللذيذ للشعر حينما يقول: 
السياب. منحنا إمكانية أن نتسلق بخدر لذيذ، الغصن المحموم للحياة، ليحتفظ هو بهذاياناته التي لن يغفرها له التاريخ.
   ويتصاعد في نبرته الرامية الى قتل الابوة الشعرية للسياب وذلك في مثل قوله :
قتلنا السياب عام 1980 ولم نعد نرغب الآن في كتابة قصيدة حسب طريقته الجليلة.
الصعلكة : نماذج مكثفة
 تتعانق مظاهر الصعلكة وتجلياتها الحياتية والفنية لتجتمع في بعض النصوص الشعرية للصعاليك الجدد، لتصبح هذه النصوص مرايا تعكس تلك المظاهر والتجليات بجوانبها المختلفة، وعلى الرغم من أن تلك المظاهر والتجليات نلفيها مبثوثة في عدد كبير من قصائدهم إلا أن تكثيفها الدلالي والاحالي الى الفن والحياة نجده في ثلاثة نماذج منتقاة لثلاثة شعراء منهم، كهذا الانموذج لجان دمّو، وهي قصيدة يسميها (بواري العواصم) يفتتحها بالعتبة النصية (نص للراحل في المنفى جان دمّو) يقول فيها: 
تقضم كمثرى النوم
وتستريح على ركام من الحيل والمخاطر والاندحارات
وتستريح فوق قطار الامس
وتظل اشباحك نابضة، قوية، حيةً:
انهم رفاقك الخالدون
وكزار حنتوش الذي سيصلح حذاءه الاثري ويقص شعره الشبيه بعش اللقلق وجان دمّو الذي سيكون مخموراً كعادته ويحيي اهل الفتاة هكذا: (ها/ أولاد المراحيض/ ستزوجون بقرتكم لهذا الحمار)؟ سنتفق على حفل الزفاف وشهر العسل ودعوة الاقارب وبقية الصعاليك الاعزاء سأشتريها مثلما أشتري أية سلعة من السوق/ وستتغير حياتي بعد أن اصبح زوجاً.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*