الآن
الشاعر وليد الصراف: الشعر مدينة يتمشى فيها المتنبي حيّا وينام مُعاصرون في مقابرها

الشاعر وليد الصراف: الشعر مدينة يتمشى فيها المتنبي حيّا وينام مُعاصرون في مقابرها

حوار : منى حسن
 يرى الشاعر وليد الصراف أن الشعر نار تنطفئ في الطريق بين لغتين، وترجمته مقصلة يدخل منها النص حيّا ويخرج منها جثة. ووليد الصراف شاعر وقاص عراقي من مواليد الموصل 1964، يحمل درجة الدكتوراه في جراحة الأنف والأذن والحنجرة. يُعد من أهم وأبرز شعراء العراق المعاصرين. صدر له ديوان عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق بعنوان «ذاكرة الملك المخلوع» عام 1999. وله مجموعة قصصية بعنوان «قصص للنسيان»، وأخرى صادرة عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 2008 بعنوان «مع الاعتذار لألف ليلة وليلة»، كما أن له أكثر من ديوان مخطوط.
كتب عنه الكثير من النقاد والشعراء العراقيون والعرب، ونُوقشت عن شعره عديد من الرسائل الجامعية في الحوار أدناه محاولة للدخول إلى عوالم الشاعر وليد الصراف الذي صرّح أن هنالك مافيا غير مرئية تحكم قوانين النشر والمنابر، وأن مسوّدة قصيدة مرفوضة قد تكون أهم من ملايين الصفحات المطبوعة.
* تألقت في برنامج أمير الشعراء في ابوظبي، فهل يمكن أن نعد أنه كان نقطة انطلاقك عربيا؟
–  شاهدني في الحلقة الأخيرة ثمانون مليونا، وهذا رقم أحس بامتنان كبير للمسابقة عليه، دخلت محطة بنزين في نواكشوط – وهذه يشهد عليها الصحفي السعودي زايد رويس- فرآني طفل موريتاني فقال هل أنت وليد الصراف؟ هذا فضل لن أنساه للبرنامج أنه أوصلني إلى أقصى المغرب العربي، رغم أنني غُبنت. المسابقة تتيح للسان شاعر أن تسمعه ملايين الآذان في مشارق الأرض ومغاربها، ويبقى علينا أن نظن بهذا المنبر ولا نطلق منه إلى الفضاء إلا ما يمكث في الأرض ويبقى أن نعي الفرق بين الانطلاقة الإعلامية والانطلاقة الفنية إعلاميا كان البرنامج انطلاقة لي وللكثير من الشعراء والشاعرات وأنتِ منهن، الإعلام يطلق العصافير من أقفاصها والمهم أن تحط هذه العصافير في قلوب الناس وأن تبني لها أعشاشا على أغصان المستقبل لا أن يبتلعها أفق النسيان.
* هل ما زال للشعر دوره تجاه اللغة، من حيث كونه محافظا عليها ومجددا فيها؟
– الشعر مدينة يتمشى فيها المتنبي حيّا وينام معاصرون في مقابرها، بإمكاني أن أصغي فأسمع رنين كأس أبي نؤاس وأرى الدمع الذي جرى بالكحل من عيني بثينة، وبإمكاني أن أتكلم فيسمعني من لم يولدوا وسيولدون بعد قرون، حيث أكون قد انقرضت وتحول المكان الذي أتكلم منه الى قاع صفصف، ما السر؟ إنه الشعر الذي يجعل من اللغة جسرا يصل الأجداد بالأحفاد هازئا بالزمان والمكان وبالموت نفسه.
* كيف تشخص أزمة الشعر الآن، هل هي أزمة شعر أم نقد أم تلقٍ؟
– الأزمة أزمة شعر، فالشعر حين يكون يكون معه التلقي، ويكون معه النقد، وما النقد إلا الإبداع في التلقي. دعك من التنظير الذي يقول للشاعر كيف تكتب، لا  الشاعر الذي يلهث وراء مُنظّر يرسم له الطريق. القصيدة ملكة تمشي وتلهث خلفها التنظيرات، والمشكلة أن مافيا غير مرئية تحكم قوانين النشر والمنابر وتعطي انطباعا يوهم المواهب الجديدة أن هذا النمط الذي يتصدر الساحة هو الشعر، والمشكلة أن الشاب يسعى إلى النشر، ويفوته أنّ سبيكة ذهب في خزانة بخيل أثمن من الحلي المزيفة المعروضة في أرقى الفترينات. المشكلة أن الموهوب بدلا من أن يسعى لتطوير قصيدته في الظل حدَّ أن تتحول إلى شمس تضيء العالم كله وتخلق ظلالها التي تشاء، يذهل عن قصيدته ليجاري نموذجا تافها يتصدر الساحة ويتحول من مبدع إلى رجل علاقات عامة يقيم علاقات مع محررين ورؤساء مؤسسات ودور نشر. القصيدة الناجحة ليست ورقة امتحان يضع عليها محرر درجة، بل هي ورقة تقامر الزمن وتقهر المكان. إن مسوّدة قصيدة مرفوضة قد تكون أهم من ملايين الصفحات المطبوعة والمترجمة .
* رشح اتحاد الأدباء في العراق الشاعر مظفر النواب لنيل جائزة نوبل، برأيك، ما هي معايير هذا الاختيار، وهل تتوقع أن تؤول إليه؟
– أرى أننا نشغل أنفسنا كثيرا بنوبل، نوبل يمكن أن تكون جائزة في العلم، فالعلم واحد ونسبة السكر في الدم تنطبق على الملك والصعلوك والهندي والعربي. نوبل يمكن أن تكون جائزة في الرواية إلى حد ما، ولكن في الشعر لا يمكن! أنا دائما أقول إن الشعر نار تنطفئ في الطريق بين لغتين، وترجمته مقصلة يدخل منها النص حيّا ويخرج منها جثة. الشعر ليس قميصا ننقله من العراق إلى السويد بدون أن يتجعد كيف ننقل: «مرّينا بيكم حمد واحنا بقطار الليل» إلى أي لغة أخرى؟ النواب رمز لدى العراقيين والعرب وهذا يكفي، ونوبل لن تزيده قيراطا لدينا، ولن تُعرّف به أمما لها شعراؤها، كما أنها لم تنجح في تعريفهم لنا. ترجمة الشعر وهمٌ! قد ينجح نيرودا مثلا أن يصبح واقعا أو بودلير أو طاغور، ولكن النجاح بسيط ومؤقت ويشير إلى جهد المترجم أكثر مما يشير إلى جهد الشاعر. السياب كان يستحق نوبل بهذا المقياس ويوسف الصائغ والجواهري طبعا وعلي جواد الطاهر والنواب معهم، ولكنني أنا القارئ العراقي لا أعتقد أنها تستحقه ولا تجديه ولا تجدينا ولا تجدي العالم، وكان أولى بنا أن نكرمه نحن ومنذ عنفوان شبابه.
* في زمن بات الشاعر يهتم لكتابة الجوائز التي تحصل عليها قبل أسماء دواوينه في سيرته الذاتية، كيف تقيم دور المسابقات الشعرية والأدبية في المشهد العربي؟
– زمننا زمن المسابقات. في السابق كان بلاط الملك من يُعرّف بالشاعر، ومكرفونات القضية السياسية، وأصوات المغنّين، وأقلام النقّاد، أو صفحات مجلات كـ»الآداب» أو «شعر» على اختلافهما، في زمننا هذا المسابقات من يعرّف بالشاعر.
* المشهد الشعري العراقي المعاصر، كيف تصفه لنا؟
– لا أدعي أنني متابع جيدٌ، ولكن من القليل الذي أتابعه أقول: لا شاعر بمستوى الجواهري والسياب، ولا روائي بمستوى غائب طعمة فرمان، ولا ناقد بحجم علي جواد الطاهر، وأننا ننحدر متوهمين أننا نرتقي، وأن قعر الهاوية الذي ننحدر إليه نتوهمه قمة جبل بلغناه، وأننا نحتاج إلى ربيع عربي أدبي لا سياسي تكتسح عواصفه مسلماتنا الأدبية والإعلامية وتعيد تشكيلنا من جديد.
 

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn