الآن
الشاعرة المغربية فوزية عبدلاوي: الشعر قضية قبل أن يكون ملمحا جماليا

الشاعرة المغربية فوزية عبدلاوي: الشعر قضية قبل أن يكون ملمحا جماليا

حوار / عبد الغني فوزي 
أتت الشاعرة فوزية عبدلاوي للشعر من تجاذب قوي مع الواقع العربي المليء بالجراح وهفوات التاريخ، معززة ذلك بمقروء متشعب، فضلا عن تأمل مشتعل الباطن. وهي بذلك تكتب نصا مركبا متعدد الأنفاس، بروح خفيفة تنزع نحو الغوص والتحرر من الأنساق والسلط العتيقة. لهذا تجد نفسك أمام شاعرة تتأمل وتتألم، تحاور، تشير، تشخص… صدر ديوانها الشعري الموسوم بـ«تقاسيم الريح» مؤخرا..وكان الحوار التالي..

* صدر ديوانك الأخير معنونا بـ«تقاسيم الريح». ما المتحكم في اختيار هذه الصياغة اللغوية كعنوان جامع للمجموعة؟
– عنوان الأضمومة هو نفسه عنوان قصيدة واردة فيها، لكن اختيار هذا العنوان كتوصيف للديوان، كان من باب استعارة مصطلح موسيقي «التقاسيم» الذي يحيل على العزف الحرَ المرتجل، الذي يتجاهل الصوت البشريَ ويعيد الاعتبار للآلة الموسيقية ويفتح أمامها مجال التعبير والتطريب، ولأن الريح تقاسيم مرتجلة، ترتفع فوق الصوت البشري، بل وتتجاهله، اعتبرتها عازفة تجيد التجول بين الأنغام دون التقيَد بقواعد مضبوطة، لتخلق حالة من التسلطن التام لدى المستمع، وأيضا حالة من الوجع والضياع.. إن تقاسيم الريح هو إقرار بنشاز الصوت البشريَ، وعجزه عن صدَ لحن الواقع الذميم وهو يغزو مسامعه ووجوده.
 * يحضر النفس التراجيدي في المجموعة بقوة الإحالة على الذاكرة والواقع. كيف تفهمين علاقة الشعر بالواقع والذاكرة؟
– لا أدب حقيقيا خارج التراجيديا الإنسانية بل حتى الملهاة التي لا تسخر من مأساة الوجود التراجيدي للإنسان لا يمكن أن تصنَف ضمن الأدب بمعناه الإنساني الرفيع، ولأن الشعر قضيَة قبل أن يكون ملمحا جماليَا، عليه أن يستقي ثيماته من مواجع الإنسان وأحلامه، وإلاَ صار فسحة كلامية مجانيَة، ولأني أرفض نظرية الجمال من أجل الجمال، وأعتبر الشعر، كغيره من الأصناف التعبيرية، ملزما بتبنَي قضايا عصره والاصطفاف إلى جانب المقهورين، اعتبرت الذاكرة والواقع معا منطلقين لنحت رهانات الكتابة، والتبليغ عن خطايا الإنسان في حقَ الإنسان.

* قد ترتكز الصياغة الشعرية في ديوانك على الأساليب الإنشائية الاستلزامية. ما المسوغ الجمالي والقصدي من ذلك؟
– القصيدة الحقيقيَة لا تؤثث نفسها بالخبر، إنها تنزاح في المعاني إلى الإنشائية الاستلزاميَة بقصد ونيَة مبيَتين، فلا السؤال فيها يقصد به الاستفهام ولا النهي والأمر ترتجى بهما الوصاية على القارئ، إنها إنشاء لمعاني ومستلزمات الإنشاء، لأنها وبكل بساطة تراهن على توليد الدلالات غير المألوفة، وسحب القارئ إلى مجاهل اللغة ومعانيها الكامنة في ظلال القول لا في بنيته، وتتغيَا خلق أسفار نحو الصور الأكثر غرابة وإيحاء.

* يحضر النفس السردي في ديوانك بشكل واضح. كيف توظفين السرد في منجزك الشعري؟
– مبتدأ الأدب كان حكيا، ولم يكن حكيا لذاته، بل حجاجا على فكرة أو حكمة، إننا نتعلم من الحكايا ما لا نتعلمه من الأحداث، لأن كثافتها وحبكتها ومنتهياتها تلخص لنا دروسا قد نحتاج عمرا كاملا لمعرفة رهاناتها، والسرد ليس غريبا على الشعر، إن لم نقل هو صنوه وتوأمه حتى في الملاحم اليونانية، لكن السرد في قصائد الديوان يتجاهل تماما تراتبيته الزمانية ليخلق تواليَا في الصور، لا يبتغي خلق حدث أو حبكة، لكنه يراهن على رصد عمق التجربة الإنسانيَة وما يلازمها من مشاعر نفسيَة تجعل منها لحظة واحدة بتلاوين اغتراب واحدة.

* يصدر ديوانك على الساحة العربية المتسارعة الإصدارات. ما هو تقييمك للمشهد الشعري المغربي والعربي؟
– لست ممن يتحفظون على غزارة الإنتاج في مجال الكتابة، لأني أعتبر كل تجربة تراكما نوعيَا قد يفصح مستقبلا عن وجه جديد للأدب، وأعتقد أن تجربة قصيدة النثر في العالم العربي عموما والمغرب خصوصا هي تجربة فتيَة، عليها أن تمرَ بمرحلة التجريب والاختبار لتكشف عن ذات مستقلة بصفاتها وملامحها الخاصة، وكل محاولة لقولبتها هو مجرد شوفينية بحتة للأدب العربي المسجوع، التي ترى في قصيدة الوزن والتفعيلة معيارا لقياس شعريَة الشاعر، علينا أن نتخلص من ثقافة السجع والكلام الملحَن لأن للأدب رهانات تتجاوز بمسافات رضى الأذن.
 * كيف تنظرين للنقد الشعري؟
– على النقد الشعري أن يجدَد ذاته لأن القصيدة تجاوزت بمراحل قوالبه وشبكات رصده، لا يقينيَات في مجال الإبداع ولا مسلَمات، لأن الكتابة فعل ينبع من جوهر الحريَة نفسها، ويرتفع، دون غرور، فوق القواعد المحكمة، فلا سلفيَة في الكتابة وكل محاولة لتحجيمها ستبوء بالفشل، لأننا نكتب لكي نكون ولا نكون لكي نكتب.
* هل أنت راضية عن نصك الشعري؟
– الرضا هو حالة مرضية لدى النرجسيَ، لا يمكن أن نمارس فعل الكتابة مقابل مرآة، الكتابة ليست تأنقا ولا غواية، إنها تجربة احتواء وتجاوز، والكاتب الذي لا ينظر إلى نصوصه القديمة نظرة استهانة، عليه أن يراجع عقيدة الكتابة نفسها، فنحن نتطوَر ونتجاوز ذواتنا بسرعة التحولات التي يعرفها عصرنا التكنولوجي، ومنتهى الحكمة هو أن نستتفه ما كتبناه سابقا لأنا نتطلَع لكتابة الأفضل والأروع والأقرب إلى ذواتنا المغتربة عن واقعها وعن القواعد والضوابط المرسومة قبلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*