الآن

التعليم العالي ودور المناهج التعليمية في النهوض التكنلوجي

أ.د.علي عبد داود الزكي

ان وزارة التعليم العراقي اليوم لا يمكن النهوض بها علميا من دون النهوض بالواقع التكنلوجي والصناعي في البلد. ان نهوض البلد محكوم بنقاط عدة وهي : فهم وتحديد حاجة المجتمع والامكانات البشرية المتوافرة ، جودة مخرجات المؤسسات التعليمية (جامعات ومعاهد) من حملة الشهادات والخريجين ، وسعة وقدرة القاعدة الاقتصادية الصناعية والزراعية والفنية والحرفية على توفير الاحتياجات الاساسية والخدمات وتوفير فرص العمل. ان وزارة التعليم العالي لا يمكن ان تتقدم تقدما ملموسا يخدم البلد تنمويا ولو استقبلت واحتضنت كل علماء العالم ما لم تتوافر الامكانات المادية الاساسية وتتوافر قاعدة صناعية وتكنلوجية واسعة تعمل على فتح ابوابها لمؤسسة التعليم لغرض الولوج والمساعدة في ايجاد الحلول للمشاكل الفنية والصناعية وتطوير الامكانات. هنا نؤكد على ضرورة ان يكون هناك نظام اقتصادي واضح ومحدد في البلد لكي لا تكون رؤية النهوض متقاطعة معه ، وانما منسجمة انسجاما تاما مع اهدافه. ان مناهج التعليم العالي المعتمدة في الجامعات  المحلية حتى الان دون مستوى الطموح. ان الرؤية والرسالة والهدف يجب ان يتم دراستها من لجان علمية متخصصة من ذوي الخبرة الطويلة تنظر باحتياجات البلد وامكانته وتضع رؤيتها وفقا لذلك وتحدد اهدافها، وبعد ذلك يتم تحديد المناهج المناسبة للنهوض بالتعليم العالي الذي بالتاكيد سيخدم عملية التنمية الصناعية والتكنلوجية في البلد. هناك قصور كبير في عملية تحديد المناهج ، وكما توجد هناك تناقضات كبيرة في المناهج واختلافتها غير المبررة في الاقسام المتناظرة من كلية لكلية ومن جامعة لاخرى ، فضلا عن اختلافات ما بين المنهج المعتمد وما يتم تدريسه فعلا.
  اذكر مثالا عن اهمية المناهج التعليمة عندما اطلق الاتحاد السوفيتي اول قمر صناعي له عام 1957 حصلت صدمة كبيرة للحكومة الامريكية مما اضطر الرئيس الامريكي ايزنهاور عام 1958 الى المبادرة بانشاء وكالة ناسا وبنفس الوقت وجهت انتقادات عديدة  لمناهج ونظم التعليم في الولايات المتحدة ولاسيما الفيزياء والرياضيات واعادة النظر في ذلك. مما اضطر الولايات المتحدة لاعادة النظر في مناهجها التعليمية والتاسيس لعصر جديد حقق للولايات المتحدة تقدم كبير في مجال الفضاء والمجالات الاخرى.
قبل مدة في قاعة الدرس دخلت في نقاش مع طلبة الدكتوراه لقسم الفيزياء بطرح تساؤلات عدة وهي: –
هل طلبة الدكتوراه يمتلكون من العلم والمعرفة اكثر مما يمتلكه العلماء المفكرون  في زمن الدولة العباسية في عصر المامون؟ هل يمتلكون معرفة اكثر مما يمتلكه العلماء والمعلمون في الكنائس والاديرة قبل اكثر من 200 عام ام لا؟! 
– كلهم اجابوا بالايجاب. 
– فقلت لهم الامكانات بسيطة جدا قبل اكثر من 200 سنة اليس صحيح؟!
– اجابوا نعم؟
– فقلت لهم تم حساب سرعة الضوء اول مرة بشكل تقريبي عام 1676م. فهل  يستطيع اخد منكم ان يحسب سرعة الضوء بامكانات بسيطة اليوم؟!
– صمت الجميع.
– فقلت لونصبت لكم خيمة في الصحراء وتم توفير امكانيات بسيطة لكم والطلب منكم باعداد تقويم للسنة الشمسية هل ستتمكنون من وضعه بدقة؟
– اجابوا  بتعجب.. لا
– قلت لهم: البابليون وضعوا تقويما دقيقا جدا ووضعت تقاويم عديدة قديما ، فلماذا لا نستطيع وضع هذه التقاويم الان؟!
– تعجبوا
للتخلص من هذا العجب يجب اعادة النظر في المناهج العلمية المعتمدة حاليا.
ان بدايات النهضة الاوروبية ما بين القرن الرابع عشر الى القرن السابع عشر ، حيث ان  الامكانات كانت بسيطة في تلك المدة اي فيما قبل 200 عام تقريبا لكنهم كانوا مبدعين ومفكرين وقاموا ببناء وتصميم العديد من المنظومات والاجهزة بقدراتهم البسيطة ووضعوا اساس النهوض التكنلوجي والصناعي الحالي. بينما وللاسف الشديد جامعاتنا حتى لا يمكن عدها الا فقيرة وغير قادر على توظيف الامكانات المتوافرة في البناء العلمي الصحيح.  ولا يمكن ان يقوم الفنيون والتقنيون في مؤسسات التعليم العالي حتى الان ببناء منظومات علمية كالتي تم بناؤها قبل اكثر من 100 عام في الجامعات  والمؤسسات العلمية الاوروبيةّ!!!. 
هنا نؤكد على الا نركز على الادراك والفهم النظري او اعتماد التجارب والاجهزة المستوردة من الدول المتقدمة وانما محاولة بناء المنظومات وتطوير المنتسبين وذلك بانشاء ورش عمل علمية وفنية وتقنية فاعلة في الكليات العلمية  لغرض اعتمادها في تطوير وبناء المنظومات العلمية والاجهزة المختلفة واضافة التحويرات والتطويرات للمنظومات المختلفة، والتاسيس لبناء قاعدة تكنلوجية جيدة قادرة على خلق جيل جديد من الخريجين القادرين على الولوج لسوق العمل بخبرات تقنية وفنية وصناعية كبيرة. هنا نؤكد على ضرورة ان تنظر وزارة التعليم العالي في تعديل المناهج بما ينسجم واحتياجات البلد واستثمار كل الامكانات المتوافر في البناء والاستحداث والتطوير. كما نؤكد هنا الى موضوع مهم هو مشروع التخرج للطلبة هذا الموضوع  للاسف الكبير لا ينظر له كانه درس اساسي ولا يعطى وزنا مهما في العديد من الكليات والاقسام وانما يكون درسا شكليا لا قيمة له وغالبا ما يقوم الطالب باخذ تقرير من النت ويقوم باجراء تحويرات بسيطة عليه ومن ثم يسلمه للقسم على انه مشروع تخرج. بينما هذا الموضوع يمكن عده تتويجا لدراسة الطالب والوصول به لمرحل العمل والبحث والانجاز بشكل علمي صحيح. 
ان عملية البناء تحتاج الى تخطيط ستراتيجي تكاملي وفق رؤية مؤسساتية  وليست شخصية تتغير بتغير الادارات. ان عملية تغيير المناهج تحتاج الى فهم ثقافة المجتمع بكافة المجالات الدينية والعادات والقيم والتقاليد والمورث الفكري واسلوب المعيشة وتاثيرات الجغرافيا والبيئة، اضافة لفهم الاحتياجات الفعلية للمجتمع من خدمات وتوفير فرص عمل حقيقية. والعمل على ترسيخ قيم تحمل المسؤولية والجدية والنظام وقدسية العمل وقدسية المؤسسة التربوية والتعليمية والمعلمين والمربين وبث روح التعاون والتطوع  لخدمة المجتمع والانسانية.  وهذا كله ينصب في عملية سامية وعظيمة هي عملية بناء الانسان قبل بناء اي شي اخر. ليس من السهل تحقيق النمو والازدهار والتنمية ببناء مناهج انية لا تنظر بشمولية لواقع الحال وما هو المرجو منها. كما لا يمكن استنساخ التجارب وتطبيقها في بلدنا دون الانتباه للاختلافات المجتمعية والثقافية والبيئية وغيرها من العوامل التي قد تكون سببا اساسيا من اسباب الفشل او التراجع وتبديد الثروات.
يمر بلدنا اليوم بمرحلة انتقالية حرجة وصعبة ومهمة جدا ، وبالتاكيد سيتجاوزها بلدنا بنجاح وهذه المرحلة هي مرحلة الاستقرار والنهوض كدولة اساسية ومحورية. والبلد بحاجة لتضافر الجهود والاعتماد في رسم ملامح المرحلة القادمة على المفكرين والتربويين والمصلحين وتوجيه المؤسسات الاقتصادية في البلد نحو استثمار الطاقات بشكل فاعل وايجابي يمكن البلد من النهوض التنموي السليم. ويتوجب ان يكون للتخطيط الستراتيجي الحكيم الدور العظيم في هذه المرحلة. بالتاكيد لا يمكن معالجة السوء والفساد بضربة عصا فان ذلك يحتاج لصبر ويحتاج لوقت طويل لان الفساد ليس بوجود الفاسدين فقط وانما بوجود ثقافة مجتمع ولادة لهكذا مفسدين، وهنا يبرز دور المؤسسة التربوية والدينية في ترسيخ ثقافات الاصلاح لمجابهة الفساد وتشريع القوانين الصالحة لحماية الانسان والمجتمع. لذا على وزارة التعليم اليوم العمل لاجل اصلاح المناهج بما يتناغم وحاجة السوق والتكنلوجيا في البلد والعمل على رفع مستوى الهيئة التدريسية  باقامة ورش العمل المستمرة والدورات ضمن نطاق كليتهم وجامعاتهم لتطوير قدراتهم بشكل جدي وفعلي وحقيقي وليس شكليا غير مستثمر. والعمل على ان يكون عضو الهيئة التعليمية فاعلا في تنفيذ افكار ورؤى الوزارة والتزامه بالمناهج المقررة. ونقدها وبيان سلبياتها وايجابيتها بتقرير سنوي يرفع للقسم والكلية لغرض الاستفادة منها ودراستها وتذليل ما يمكن تذليله. 



This post has been seen 2 times.