الآن
الباحث (رشيد الخيُّون) من لندن في حوار خاص لـ(البينة الجديدة) يؤكد: الوضع في العراق مفضوح بسوءاته وعبارة عن خزنة مفتوحة بلا حرّاس امناء!

الباحث (رشيد الخيُّون) من لندن في حوار خاص لـ(البينة الجديدة) يؤكد: الوضع في العراق مفضوح بسوءاته وعبارة عن خزنة مفتوحة بلا حرّاس امناء!

نحاول كشف الأكاذيب وما فعلته ثقافة القطيع إن صحت العبارة 

تولى امر العراق من يوصفون بـ(ساسة الغفلة) وتأسست العملية على لعنتي (المحاصصة) و (الطائفية) 

حل مشاكل العراق يكمن في الاعتذار عن ممارسات الانتقام ومن لا يعتذر لا ينتظر منه تغيير نهجه أو إنجاح تسوية


لا فائدة من الكتابة إن لـم تكن صادقة فلو كتبنا ما يريده الناس أصبحنا لسان العامة لا أقلام تغيير في الفكر 

 سائق أجرة هو من أدبني وعلمني العزوف عن استخدام (الدال) مسبوقا قبل اسمي في المقالات!

 

البينة الجديدة / حاوره / حسين رزاق
 رشيد الخيُّون .. عراقي ترك بلاده إكراهاً لا رغبة، ضاقت به فنادق بغداد وبيوت الأقارب، فهرب بحيلة شبه رسمية، حمل في اغترابه عدة جوازات سفر غير عراقية، بعد أن كثر التزوير في جواز سفره العراقي باستخدام البيض والبطاطا. عاش بأمل جامح في أن يعود إلى عراقٍ لا يطارده مرة أخرى، وإذا به ينتكس من أول جريمة انتقام حدثت بُعيد التاسع من نيسان(أبريل)2003، واستمر الانتقام وصار كاتم الصوت لا يخجل من الصوت، فالقتل علانية. لم أوطن نفسي في الاغتراب فالأمل بالعودة ذلك قائما قاب قوسين أو أدنى، واستمر الطموح في دراسة الفلسفة والتاريخ، حتى حصلتُ على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام (1991)، لم استخدم حرف الدال، فهذا شأن أكاديمي وليس اجتماعيا، ولا أريد التبجح به مثلما يتبجح الحاكمون بالدال مضافاً إليها الحاج والسَّيد، وكل هذا يظهر استعلاء على الشَّعب المغلوب على أمره بالفساد والإرهاب. انتظرت العودة بعد أن ينتهي صدام حسين وانتهى، وبدأت الانتظار ثانية كي تنتهي الطائفية والمحاصصة، وكل أشكال حَملّة السلاح والشعار الديني السياسي أيضاً وأهلهما فأعود، فلعل في العمر بقية، على أمل وإن كان لا يجدي.  لا أخفي أن مَن أدبني العزوف عن استخدام (الدال) في كتابة المقالات أو الكتب سائق أجرة، ركبنا معه من عدن إلى صنعاء، وكان التقليد أن تترك الأسماء في الكراج لوعورة الطريق وتساقط السيارات من أعالي الجبال في الوديان، فكتب الركاب أسماءهم، وكنت حديث عهد بالدكتوراه، فسجلتُ اسمي الدكتور فلان، فقال لي السائق بأدب وحياء نحن هنا ركاب مسافرون لا دكاترة ولا محامين، فقلت له: صدقت فشطبتها، وإلى يومي هذا، لن تجدونها على كتاب أو مقال، واذا ظهرت فمن فعل ذلك دور النشر والمحررون، إلا البحوث الخاصة بالمراكز الأكاديمية والعلمية فهذا محلها. (البينة الجديدة) اتصلت بالمؤرخ رشيد الخيون في  لندن واجرت معه الحوار التالي.
 

•ما تكتبه يشكل معلومات صادمة للبعض من المسلمين؟

-لا فائدة من الكتابة إذا لم تكن صادمة، فلو كتبنا ما يريده الناس أصبحنا لسان حال العامة، لا أقلام تحاول التغيير في الفكر السائد. مَن يقرأ التراث جيداً لا يصطدم مما كتبتُ، فهذا فكر مبذول للجميع، لكن مَن يصبر على توريق الصفحات الصفر (لقِدمها) قليل العدد. نحاول كشف الأكاذيب، وما فعلته ثقافة القطيع إن صحت العبارة، ما أن يُلقي الخطيب أو الواعظ كذبته إلا رددها القطيع، وتقاتل بسببها ودونها أزعم أنني أحد الذين يصطدمون بهذا الخطيب، الذي يلعب بالعقول كيفما شاء، وباسم الله والأولياء المقدسين.

•هل يمكن أن نكتب التاريخ بطريقة محايدة ترضي الجميع؟

– عند الكتابة ليس على الكاتب المحترف ترقب المزاج، فقد يحصل هذا عند خطباء المنابر، أو اصحاب الحفلات، أما الكاتب المحترف، وأشدد على المحترف- لكثرة الهاوين والفضوليين الطفيليين على عالم الكتابة والبحث ومنهم أطباء وسياسيون وسواهم- فعليه مهمة التغيير والتنوير. ليست القصة في كتابة التاريخ الحياد أو عدمه، إنما أن يكون المؤرخ أو المشتغل في التراث حريصاً على المعلومة، ومدققاً لها، ولا يهتم بما يقول القرّاء ويملأون وسائل التواصل الاجتماعي ضده بدافع التسقيط، ومن يريد إرضاء الجميع فعليه أن يكسر قلمه وينزوي، أو يكتب ما لا طعم ولون فيه، أن يكتب عن المناخ أو الطقس مثلاً، ففي ذلك يوجد حياد.

•من يمتلك الحقيقة التاريخية؟

تبقى الحقائق نسبية، لا وجود للحقيقة المطلقة إلا في الفكر الدِّيني فهو الوحيد يدعيها، وتلك لا تقبل الحجة العقلية أو العلمية بل ترفض الجدل فيها، تحت عبارة «مَن تكلم في الله هلك»، والفكر الدِّيني نفسه يسميها عالم الغيب، بمعنى انه ليس بوسع الإنسان المؤمن بها أو الذي يحاول الإيمان بها أن يلجأ إلى الدليل العلمي المختبري، إلا الدليل المجرد، وبهذا المعنى يتحول الفكر والعلم إلى عقيدة، وسبق أن قيل لا اجتهاد في النص، وكذلك لا تقليد في الأُصول، والأُصول تُشكل العقيدة، بينما التقليد في الفروع وهي التي تشكل الفقه. القدماء اعتقدوا أن العالم في تغير مستمر، وأشاروا إليه بمياه النَّهر الجاري. فلو صار الإقرار بأن الحقائق نسبية لا مطلقة لحلت لنا مشكلات التعصب الأعمى، وعلى وجه الخصوص التعصب المذهبي والديني، بل الآيديولوجي بشكل عام، ولا نجد فكرا ما صالحا لكل زمان ومكان وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بإدارة المجتمع والسياسة، لأن الحقائق تتغير بتغير ظروف الحياة، هذا في المجتمع أما في الطبيعة فالتغيرات تطالها في كل لحظة، وحتى النص القرآني قال المعتزلة فيه «نزل على مصالح العباد»، وهذا ما يشكل لديهم أطروحة خلق القرآن، ومعلوم أن مصالح العبادة تتغير من جيل إلى آخر، لذا قيل: «تتغير الأحكام بتغير الأزمان»، وقيل أيضاً «معروف زماننا غير معروف زمان قبلنا ومنكر زماننا غير منكر زمان يأتي بعدنا».

• هل يمكن أن يوظف التاريخ لخدمة الوحدة الوطنية؟

• نعم، وعلى وجه الخصوص في حال العراق، لكن للأسف التركيز صار جارياً على الاختلاف وليس الوئام، فكل مَن تحدث عن التاريخ حصره بألف وأربعمائة عام، وهو تاريخ الإسلام، لا يتعدى ذلك، ولا يذكر منه سوى الخلاف والاختلاف والقتل والقمع. هذا غير صحيح، يجب أخذ الحوادث بأزمنتها، وشاهدنا على ذلك لو أن التاريخ كان هكذا، كيف بقينا أحياءً على رقعة جغرافية واحدة اسمها العراق منذ القِدم، والاسم من متعلقات أوروك وليس مثلما يظنون تسمية فارسية، وعاشت أجيال وأجيال وبهذا التنوع الاجتماعي، من دون أن ننسى الأوجاع والمسرات(عنوان رواية لفؤاد التكرلي). لا أريد الدخول في الأمثلة فهي كثيرة وكثيرة جداً، لكن الأغراض السياسية، التي تدفع بالمجتمع إلى التطرف الطائفي، هي التي تُحرك رمال الاختلاف لتحيلها صخوراً وسدوداً.

•كيف تنظرون إلى من ينادي بالقطيعة المعرفية مع تاريخنا الإسلامي لكونه الحل للمشكلة الطائفية؟

-ليس هناك دين من أديان الأرض لا يتجزأ إلى مذاهب أو طوائف، ليست هذه المشكلة، بل المشكلة بمن يستغلها ويعبث بالمجتمع فيها. قرأتُ في كتاب «نشوار المحاضرة» للقاضي أبي علي التَّنوخي، المتوفى 384هـجرية، الذي كتبه في منتصف القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، أن شحاذين كانا يجلسان متقابلين عند رقبة جسر ببغداد، أحدهما ينادي بحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، والثاني ينادي بحق أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، وكانت النقود تنهال عليهما من الجانبين، ففي ذلك الوقت كانت «الحزازات» المذهبية مستغلة تماماً، وعند هبوط الليل يلتقيان ويتقاسمان المردود من كديتهما، فهذا مثال صريح على استغلال الاختلاف المذهبي سياسياً. مما اضطر الشاعر المعروف ابن الحجاج، المتوفى 391 هجرية أن يقول في مدحه لأحدهم، وقد قرأت ذلك في كتاب «درة التاج في شعر ابن الحجاج» بتحقيق العلامة علي جواد الطَاهر:
مرَّ بي يوم جمعةٍ شيخ علوي وآخر عثماني/ قال هذا بعد النَّبي عليٌ/ وأتى منصفاً إلى البرهانِ/قال هذا بعد النَّبي أبو بكر/ وجاءا الي يستفتياني/ فقلتُ خير العباد بعد رسول الله/ في مذهبي أبو الريانِ/ خيرهم مَن رأى لباسي قد رث وبان اختلاله فكساني 
بدل القول بالقطيعة وتحويل التراث إلى جانب ثقافي، أن يربط بعصره، مع أن فيه ما فيه من قتل للطائفية أما أمر القطيعة فهذا ضرب من الخيال. وربما قُصد بالقطيعة أن لا تدرس للأطفال، وأن لا تُقدم على أنها حوادث اليوم، بل ماضٍ انتهى. 

•كيف تقيمون الوضع في العراق؟

أعجز عن التقييم والتقويم أيضاً، وضع مفضوح بسوءاته، فصار العراق عبارة عن خزنة مفتوحة، وماذا تنتظر من الخزائن المفتوحة وبلا حراس أمناء؟ للأسف الوضع الحالي تأسس على لعنتين: لعنة المحاصصة، ولعنة الطائفية، ولا أرى وجود الإرهاب إلا بسبب الاخفاق في المصالحة والجد في ثقافىة التعايش لقد تولى أمر العراق مَن يوصفون بسياسيي الصدفة أو الغفلة، فقُبيل التاسع من أبريل لم يفكر أكبرهم الآن بوظيفة مدير عام مثلاً، وكان أحدهم يقولها صراحة كأبعد ما في أمانيه.

•كيف تنظرون لمستقبل العراق؟
-يبقى الأمل بالشباب، «الشباب لن يكل» الذي أخذت تدبُ في عروقه ثقافة مغايرة للتطرف الديني والمذهبي وإن كانت بطيئة الجريان، فأصحاب المنابر يوجهون النَّاس، يدخلونهم الجنة ويخرجونهم منها، حسب مزاجهم المذهبي، وهي حيلة لا أظنها ستستمر طويلاً. 

•ما الحل لمشاكل العراق؟

-الحل الاعتذار عن ممارسات الانتقام قبل التسويات والمصالحات، أما النظام السابق فقد أُعدم منه مَن أُعدم وسجن مَن سُجن وأبرزهم رئيسه المسؤول الأول، وشاخ مَن شاخ وأنزوى مَن أنزوى، لابد من الاعتذار عن سياسات أدت إلى تسليم ثلث العراق للإرهاب، وفتح السجون للإرهابيين، والقتل على الهوية، وضياع مئات المليارات، لأن الذي لا يعتذر لا يُنتظر منه تغيير في نهجه. كانت فرصة أن يُكشف الإسلام السياسي، بفرعيه، أنه استغفل الناس.

•كلمة اخيرة؟

-شكراً لمن يقرأ ويُحسن الظن، بأنني أرى العراق أولاً وأخيراً، ولا يشتمني، جاء في كتاب «زهر الربيع» للشيخ نعمة الجزائري(ت 1079هـ/ 1668م): «روي أن رجلاً رأى صورةَ الشّيطانِ مصوّرةً على حائطٍ، وكانت تلكَ الصورةُ قبيحةً جداً، ثم رآه في المنامِ على صورةٍ حسنةٍ، فقال: إني رأيتُ صورتَكَ على الجدارِ قبيحةً، فقالَ: إن قلمَ التصويرِ كان بيدِ عَدوي، يصوّرني كيفَ يشاءُ». اجعلوها حكمة في توجيه النقد.



This post has been seen 63 times.