الآن

الاستفتاء التركي ليس منازعة مع الغرباء

*عاكف بيكي


انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً فيديو دعائي لدعم حملة الترويج للنظام الرئاسي الذي اقترحته الحكومة التركية. ويبدو أن هذا الفيلم- وسبق ان حذرت المعارضة من تأثير اصحاب القرار في الحملة – تدعمه الحكومة. ويصور الفيديو الشعب التركي على انه فريق كرة قدم يلعب أمام فريق أجنبي، وطوال المباراة يلعب الحكم مع الأجانب ضد فريقنا، ويحتسب الأخطاء ضدنا ويرفع البطاقة الصفراء لأتفه الأسباب. فهذه مباراة مع خصم عنيد وحَكم فاسد ونتيجة المباراة ضد تركيا الى أن تنزل إلى الملعب فتاة تركية تمثل الشعب التركي وترفع بطاقة حمراء في وجه الحكم. وهذه البطاقة تمثل النظام الرئاسي الجديد، ومن بعدها تتبدل ظروف المباراة لفوز عظيم للفريق التركي.
وتؤجج هذه الدعاية المشاعر القومية ضد الأجانب الممثلين بمدرب الفريق الخصم صاحب الشعر الأصفر الذهبي والحكم اللذين يتعاونان ضد تركيا. وانساقت المعارضة وراء نظرية المؤامرة قائلة «كيف لصانعي هذا الفيلم أن يعلموا عندما بدأوا التحضير له في كانون الثاني (يناير) الماضي، أننا سنواجه أزمة مع أوروبا، ليضعوا هذا السيناريو الذي يستفز المشاعر القومية ضد الغرب؟ ويبدو ان الأزمة مع أوروبا كانت مصطنعة ومرتباً لها مسبقاً!».
ولا يمكن طبعاً التحقق من هذا الأمر، لكن من العسير القول إن الحكومة قد تبلغ هذا المبلغ. وفي المقابل علينا أن ننظر إلى الرسالة التي يحملها هذا الفيديو الذي يلخص وجهة نظر وفلسفة الداعمين للنظام الرئاسي المطروح. إذا كنا نقدم الاستفتاء على شكل نظام الحكم، سواء كان برلمانياً أم رئاسياً، على انه هدف يُسجل في مباراة، فإن ذلك الهدف سيدخل في شباكنا نحن حتماً فنسجل هدفاً في مرمانا. فمهما كانت نتيجة الاستفتاء، قبول أو رفض النظام الرئاسي، لن تتأثر أوروبا بما جرى والنظام العالمي سيبقى كما هو. نحن فحسب سنواجه نتائج قرارنا هذا ونتحملها. إذا كانت نتيجة الاستفتاء تجلب الخير للبلد فنحن من سينعم بهذا الخير، وإذا كانت نتيجة الاستفتاء ستجلب الشرور، فنحن من سيكتوي بنارها وليس غيرنا. وفي هذه الحال أليس جلياً أن مؤيدي النظام الجديد ومعارضيه هم في خانة واحدة وفي صف واحد؟ لأن النتيجة ستؤثر في كليهما معاً. لو أدى هذا الاستفتاء إلى نتيجة كارثية، فهل يهم حينها أي طرف فاز في الاستفتاء على الآخر؟ الفيديو يصور التصويت على الاستفتاء وكأنه منافسة ضد فريق أجنبي خصم، لكن الحقيقة هي أن السجال أو المباراة تقع على أرضنا بين فريقين هما نحن ونحن. وتقول، يومياً، الحكومة إن أوروبا تسعى الى إفشال الاستفتاء ومنع إقرار النظام الرئاسي الجديد، وتمطرنا وكالة الأنباء الرسمية، «الأناضول»، بأخبار عن مسلمي العالم من أمريكا إلى فلسطين والخليج الذين يؤيدون النظام الرئاسي الجديد في تركيا. لكن أياً من هذه الجماعات لن يشارك في التصويت الذي سيجري في تركيا وليس في محله القول إن هذا الاستفتاء سيحدد مصير جماعة غولن أو سيقضي على حزب «العمال الكردستاني»، وهذا كلام غير واقعي. وعلينا ألا نخدع أنفسنا.
والحق يقال إن تصوير هذا الاستفتاء على أنه مباراة مع خصم أجنبي، أو حتى تصويره على أنه أداة لمحاربة الإرهاب والانقلابيين، هو تشويه لحقيقة هذا الاستفتاء. نحن لن نصوت على مستقبل علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي أو موقفنا من الإرهاب، سنصوت فحسب على نظام حكم جديد. في المقابل تعد المعارضة التصويت بـ «لا» صفعة لمن يريد «تغيير النظام وهدم الجمهورية العلمانية». ويهدد بعضهم «بإلقاء الحكومة ومن معها في البحر بعد الاستفتاء». لن نلقن أوروبا درساً بواسطة هذا الاستفتاء ولن نستعيد عثمانيتنا وأمجاد امبراطوريتها عن طريقه، لا التصويت بنعم «سيوجه ضربة للإرهاب والانقلابيين» ولا التصويت بلا سيمثل «صفعة للحكومة والموالين». هو فقط استفتاء على نظام حكم جديد. وحري بنا عوض تأجيج المشاعر وزيادة الاستقطاب، أن نشرح للناخبين ما تعنيه فعلاً هذه المواد الثمانية عشرة المقترحة للدستور. فيصوت الناخب عليها وهو مقتنع ومطمئن، ولا ينساق وراء كراهية أي طرف آخر ولا يسعى الى تلقينه درساً. فالمؤيد والمعارض لهذا التعديل الدستوري المقترح ستصيبه مترتبات الاستفتاء، سواء كانت إيجابية ام سلبية.
 
 
* مستشار إعلامي سابق للرئيس التركي 
 

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn