الآن
الإنسان العربي و الإستلاب السلطوي

الإنسان العربي و الإستلاب السلطوي

اسماعيل الياسري 
تشكل القيم الانسانية من حق وعدالة ومساواة وحرية , علامات مهمة في تاريخ الامم ولا يستدل على رقي شعب الا بمساحة ما يملك من هذه القيم الإنسانية, ولو توغلنا بالقدم, لوجدنا ان المكونات الانسانية الاولى تؤكد على حقوق الفرد بالحياة الكريمة , من (حمورابي) البابلي الذي وضع اول مدونة حقيقية لحقوق الانسان ,الى (كونفوشيوس) الصيني (وبوذا) الهندي و(صولون) اليوناني, التي جسدت اهمية الذات الانسانية وحقها في العيش بحياة حرة كريمة. 
في حين مازالت مجتمعاتنا العربية تنتهك فيها حقوق الانسان وحريته وارادته وكرامته, حتى اصبح التسلط في اوطاننا عادة والطغيان عبادة, واصبح الانسان العربي من المحيط الى الخليج يعيش تحت سيطرة انظمة حكم هي من اسوأ الانظمة السياسية في العالم, ومن اكثرها بطشا وظلما وفسادا وتخلفا اداريا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا وفتكا بشعوبها, بل من اكثرها انتشارا لخطاب سياسي وثقافي وديني ممسوخ, يبجل ويسبح بحمد الطغاة تعظيما وتمجيدا, فقد ورث الحكام العرب ماضي اجدادهم السياسي وتجذر فيهم ,وتعلموا منهم الدروس في كيفية السيطرة على الشعب وحكمه بالقوة ,وان يكون السلطان هو ظل الله في الارض, ليجعلوا من فلسفة( ارى رؤوساً قد اينعت وحان قطافها) شعارا لهم, فأستلب النظام الحاكم المجتمع من وظائفه الحيوية واحتكرها لنفسه وجرد الشعب من حقوقه الانسانية, وفرض هيمنته الكاملة على الشعب , وبدأت هذه الانظمة العربية محاولتها لترويض المواطن وغرس روح العجز واليأس في داخله , ليصبح اداة بيد هذه الانظمة الشمولية الدكتاتورية تحركه حسب اهوائها , والتي جاءت الى الحكم بعد سلسلة من الانقلابات استولت بها على مقاليد السلطة , بعد انتهاء حقبة الحكم العثماني والسيطرة الاجنبية , وأصبحت تستخدم كل الوسائل المتاحة لديها لتوطيد سلطتها , وتحول الحكام العرب الى طغاة يحكمون باسم القانون الذي وضع بناء على توصياتهم وفصل بما يتناسب 
وطموحاتهم , وأصبحت هذه الانظمة تحكم شعوبها بالنار والحديد , والخداع والتضليل والتزييف والترهيب والترغيب , وتحيل الشعب بكل طبقاته الى كائنات عاجزة في علاقتها بالمؤسسات العامة وبذاتها, وبات الشعب مغلوبا على امره مستلب الحقوق ماديا ومعنويا ومهدداَ في صميم حياته وكيانه , بعد ان استأثرت هذه الانظمة بالسلطة على حساب الشعب وهمشته وكبرت على حسابه, فتبددت كل القيم الانسانية, وغُيبت كل الممارسات الديمقراطية للإنسان العربي ,بسبب سعي هذه الانظمة الدكتاتورية تدمير الانسان وتحطيم قيمته, وتحويل الشعب الى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع بلا وعي, او تحويله الى شخصيات تنتابها مشاعر الدونية والعجز واللا جدوى, لان الانسان إذا فقد ((أدميته ووعيه الذاتي او شخصيته, يٌقتل فيه الابداع والابتكار ويصبح مٌدّمجا ضمن كتلة لا تمايز فيها كقطيع من الاغنام)) ليس له رأي او ارادة , بل مغلوب على امره, تحيط به اجهزة الدولة ومخابراتها وازلامها من كل مكان, وتحصي عليه انفاسه وتعد خطواته, واصبح الحاكم العربي مالك الارض ومن عليها, فهو من يفكر بالنيابة عن الشعب ويعرف مصالحه, و له حق التصرف بالموارد والثروات والمقدرات والمصير البشري, وله حق هدر انتماء الانسان وحق المواطنة ومُصادرة هوية الانسان , وزج الشعب بحروب لا طائل من ورائها سوى ارضاء غروره , بل يتعالى الزعيم المقدس على الشعب ويترفع , وكلما تعالى الزعيم المقدس بصفاته المفترضة , ازداد الاعجاب بشخصه من حاشيته وازلام حزبه ومواليه, ممن اغراهم بأقواله وأمواله, او من هم قليلو الثقافة و الوعي والادراك ,فتراهم يبحثون عن تبرير له , اذا ما اكتشفوا ضعفا او تجاوزا او انحرافا عما يعلنه من مبادئ في الخطاب السياسي , وتبدو اعذار مواليه موزعة ما بين عدم معرفته بما يحصل من انحراف وفساد , وتنزيه ذاته من الاخطاء , وتحميل بطانته مسؤولية كل الشرور التي تلوح اثارها بالمجتمع, ليصل 
هذا التبجيل الى اضفاء العصمة على شخص الزعيم وتقديسه, وهي ظاهرة متجذرة باللاوعي الفردي والاجتماعي عند الناس, طيلة المدّة الممتدة من بداية الحكم الاموي الى الوقت الحاضر, من خلال التماهي بالمدنس وتقديسه واضفاء عالم العظمة عليه, وممارسة طقوس العبادة والولاء له, بوصفه هبة الله والقدر للناس, فالزعيم المقدس لا ينتمي الى الوطن , بل الوطن من ينتمي اليه ,وأن الخلاص من التجزئة والتخلف والظلم والهيمنة الاستعمارية وانقاذ الشعب من محنتهم وفقرهم , وقيادة الشعب في معارك التحرير لاستعادة الكرامة لا تتم الا عن طريق الزعيم المقدس المعبود الذي يصبح السلطة التشريعية والتنفيذية المطلقة, و يستحوذ هو واعوانه وزمرته المُطبّلة له, على خيرات البلد وثرواته, اما الكتلة البشرية الباقية من الشعب فهم كتلة فائضة لا لزوم لها والتي تضيق السلطات بوجودها وباحتياجاتها وحقوقه, واي نقد على قراراتها او اعتراض فهو عصيان ضد السلطة, ليتحول المواطن العربي الى كائن مستلب الإرادة والحرية و غريبا في وطنه, وفاقدا للمشاركة في أية فعالية ,وأداء اي دور في خدمة المجتمع او المشاركة في عملية التغيير او صنع القرارات المصيرية, او المشاركة في بناء الوطن, بل يعيش على الهامش, وفي سعيها من اجل ترسيخ حكمها بشتى الوسائل, تلجأ السلطة الى استخدام اسلوب الترهيب والترغيب في قمع المواطن العربي في جل رغباته وتطلعاته ,ففي اسلوب الترهيب تستخدم كل وسائل القمع المعنوية والمادية التي تردع الناس عن مس الاسس التي يرتكز عليها النظام وإضفاء صفة القدسية عليه ,ليكون النظام رادعا لكل شخص يحاول مس الذات السلطانية , اما في اسلوب الترغيب , فمن خلال تقديم الدعم للموالين للنظام , و السيطرة على وسائل الاعلام المرئية والمقروءة وتسخيرها لخدمة النظام وقواه السياسية المتحكمة , وعقد المؤتمرات والمهرجانات التي هدفها التهليل للسلطة وازلامها , وغزو عقول الناس وبث المفاهيم والصور والاخبار والبرامج التي تحسن سمعة السلطة , وتقديم الدعم لكل من يوالي النظام و تجريم المعارضين له, من اجل تشكيل رأي عام يؤمن بايدلوجية السلطة وحاكمها, وبهذه الأساليب يتم ترويض المواطن وإبعاده عن التفكير والنقد والتساؤل والاعتراض, لتتحول عملية القمع الى عملية قمع وتهجين ، ويصبح الهمّ الأساس للنظام السياسي, استمرار قهره واستبداده وتسلطه على الناس، وبذلك تتم صياغة وتشكيل شخصيات امتثالية بالإكراه تتميز بالجمود والانقياد والسكون, وبينما ينخرط الجميع في ولاء كاذب، يصبح الاقتصاص هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة أولئك الذين لم يمتثلوا بعد, بل لأولئك الذين كان سوء طالعهم قد جعلهم مختلفين عن كل ذلك في حقبة سابقة، بسبب انتماءاتهم الطبقية أو الدينية أو العرقية أو المهنية، فلا يدان المرء على حاضره فحسب إنما على ماضيه أيضاً ولذلك يجري تنقيب دقيق في سيرته الشخصية من النواحي الفكرية والعرقية والطبقية والروحية ، ويقع التشهير به لكل نأمة طالت حياته قبل ظهور المؤسسة الشمولية المستبدة، ليبقى الذعر متقداً في وسط الجميع ,فلا يأتمن أحد أحداً، ولا يعرف ماذا سيقع له بعد لحظة، فالترقب والرعب والقلق والخوف يحكم الجميع. ويتحول كل شخص الى(( ملف والميت يعرف من ملفه, وحتى عندما يستدعى انسان بصفة شخصية فهو ليس شخصا بل حالة)) ويسود الظلم والقهر والاستعباد والاستلاب التام للذات الانسانية , فيصبح كل شيء في المجتمع الشمولي واضحاً وغامضاً في الوقت نفسه ، واضحاً لأنَّ الكل فُرض عليهم أن يفكروا بطريقة واحدة ، وغامضاً إذ لا احد يعرف الحدود التي ينبغي عدم تجاوزها ، حتى انصارها وازلامها لم يسلموا من عقابها , لأن الأيديولوجية الشمولية تحتاج الى تذكير أنصارها بأنَّ العقاب يلحق بكل من ينطوي على إثم الاختلاف ، بل انها تضع الجميع موضع الشك والريبة ، ويصل الأمر بالمؤسسة الاستبدادية أن تجري بين وقت وآخر فتكا بكبار أنصارها ومؤيديها بتهم كاذبة , حتى تتخلص من اصحاب الطموحات الكبيرة, و تضمن الولاء وتزرع الخوف في نفوس من يفكر بالتآمر عليها, وهذا ما يدفع انصارها وأزلامها الى المزيد من الولاء والرضوخ طمعا في نعمتها وخشية من انتقامها, وخلال كل ذلك يجري تنميط عام لكل شيء، وتمنع الاجتهادات وشيوع روح الابتكار والتفكير الحر الذي لا يمتثل لأطرها ،وفي سعيها المحموم لاستباحة الوجود الانساني ككل, تقوم السلطة بالحجر على العقل البشري العربي وصولا الى اقصائه وتكريس الجهل المعرفي والثقافي والسياسي بين ابنائه ليصبح الكل صاغرين مسبحين بحمدها.