الآن
استفتاء كردستان العراق .. حق تقرير المصير أم ابتزاز

استفتاء كردستان العراق .. حق تقرير المصير أم ابتزاز

د.عبدالخالق حسين

في أوائل شهر حزيران من هذا العام (2017)، أعلن رئيس إقليم كردستان العراق، السيد مسعود بارزاني، المنتهية ولايته، قراراً باستفتاء شعب كردستان فيما إذا يريد الانفصال والاستقلال، أو البقاء ضمن العراق الموحد في النظام الديمقراطي الفيدرالي، كما و حدد يوم 25 ايلول القادم لهذا الاستفتاء. إذ يرى السيد بارزاني أن الشراكة بين العرب والكُرد في الدولة العراقية قد فشلت، وأنه حان الوقت للإنفصال، «ونكون جيران جيدين، بدلاً من شركاء فاشلين». ومنذ إعلان هذا القرار احتدم السجال بين المؤيدين والمعارضين، ولكل جهة مبرراتها المعقولة واللامعقولة. 

والمتابع لتاريخ العراق الحديث يعرف أن ضم كردستان للدولة العراقية الحديثة كان بإرادة بريطانيا التي لعبت دوراً مهماً في تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى، وكان أحد أهم الأسباب في عدم استقرار العراق وإلى الآن.لم يكن الشعب العراقي موحداً بإرادة مكوناته الحرة في أي يوم من الأيام، بل كانت هذه «الوحدة» مفروضة عليه بالقوة الغاشمة من الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت العراق عبر العصور. ولما امتلك الشعب العراقي إرادته الحرة لأول مرة في التاريخ بعد تحريره من النظام البعثي الفاشي عام 2003، صار بإمكان العراقيين أن يفكروا بصوت عالٍ، ويعبروا عن أنفسهم وأفكارهم بمنتهى الحرية، فكشفوا الحقيقة المرة، وهي أنهم غير متجانسين، ولا متوحدين، ولا يريدون العيش في دولة واحدة. فإما أن يحكمهم نظام المكون السني العربي الذي حكم العراق  وحده طوال قرون، وفرض عليهم هذه الوحدة القسرية بالقوة الغاشمة، أو الانفصال. فالسنة العرب لا يريدون نظاماً ديمقراطياً يساوي بينهم وبين المكونات الأخرى في الحكم، خاصة إذا كان رئيس الحكومة شيعي. والكُرد لا يرغبون أن يكونوا ضمن جمهورية العراق، بل يريدون تحقيق حلمهم بتشكيل دولتهم القومية الخاصة بهم أسوة ببقية الشعوب الأخرى في العالم. وهذه هي الحقيقة التي ينكرها كثيرون في العلن، ويؤمنون بها في السر. في الحقيقة والواقع، كانت كردستان العراق دولة مستقلة منذ عام 1991م وحتى اليوم  بل هي أكثر من دولة مستقلة، لأن إضافة إلى استقلالها في حكم نفسها، ودون أي تأثير من الحكومة المركزية، فهي تشارك في حكم دولة أخرى اسمها جمهورية العراق، وتستلم 17% من الموازنة العراقية تحت يافطة الفيدرالية، وهي ليست فيدرالية حقيقية ، بل كونفيدرالية، أي اتحاد بين الدول، مثل الوحدة الأوربية. ولذلك نرى أن من مصلحة الجميع تصحيح هذا الخطأ يرى مؤيدو الاستفتاء من أنصار السيد بارزاني «أن ليس الغرض من الإستفتاء إعلان الإستقلال بل عملية تكتيكية سياسية من مسعود البرزاني لتقوية مركزه التفاوضي مع بغداد أولاً ومع القوى الكردستانية.»يعني (العذر أقبح من الفعل)، فالسيد بارزاني يستخدم ورقة الاستفتاء لإحراج الأحزاب الكردستانية التي تعارضه على سياساته وانفراده بالسلطة، ولابتزاز الحكومة الاتحادية المركزية في بغداد لتحقيق المزيد من المكتسبات للإمارة البارزانية على حساب بقية المحافظات العراقية الأخرى، أي سياسة ليّ الأذرع إلى أن تستجيب لطلباته. وهذا النوع من الاتحاد ضرره أكثر من نفعه. فلو أمعنا النظر، وكما ذكرنا أعلاه، الإقليم يتمتع بدولة مستقلة، أكثر بكثير مما يسمح به الدستور الفيدرالي.مشكلة السيد بارزاني أنه تبنى وسائل غير مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة. فالطريقة التي اتبعها السيد بارزاني في إجراء الاستفتاء ، هي غير صحيحة وكما أكد له كثيرون، سواءً كانوا من ابناء الشعب الكردستاني، أو من غيرهم، وذلك للأسباب التالية:
أولاً، السيد بارزاني هو رئيس غير شرعي الآن لاتخاذ قرارات خطيرة مثل قرار الاستفتاء والانفصال لأن ولايته انتهت منذ أربع سنوات.ثانياً، غياب برلمان الإقليم فالسيد بارزاني قام بتعطيله قبل أربع سنوات مخالفة للدستور والديمقراطية، وقرار الاستفتاء بالانفصال يحتاج إلى موافقة برلمان الإقليم، وموافقة البرلمان المركزي والحكومة المركزية.
ثالثاً، وكما صرح السيد عادل مراد، السكرتير العام لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أنه حتى حكومة الاقليم هي غير مكتملة.رابعاً، يردد أنصار الاستفتاء أنه قبل عدة سنوات تم استفتاء الشعب الكردي، وصوت 98% منهم لصالح الانفصال. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا إعادة هذا الاستفتاء الآن وفي هذه الظروف الصعبة حيث انشغال الدولة الفيدرالية في محاربة الإرهاب الداعشي؟ وإذا كان بارزاني يريد الاستفتاء كورقة لتقوية موقفه التفاوضي مع المركز فلديه هذه الورقة من الاستفتاء السابق؟ خامساً، الظروف الدولية ضد هذا الاستفتاء، ونحن لا نتحدث عن رفض دول الجوار فقط، مثل إيران و تركيا وسوريا، ناهيك عن العراق الرافض له، بل وحتى الدول الكبرى الصديقة لحكومة كردستان مثل الولايات المتحدة، وروسيا، والوحدة الأوربية التي تضم 28 دولة، جميعها أعربت عن رفضها للاستفتاء وتقسيم العراق بل وحتى الأمم المتحدة أكدت على وحدة العراق وعدم رغبتها في الإشراف على هذا الاستفتاء.سادساً، الدولة الوحيدة التي أيدت مشروع الانفصال هي إسرائيل وهذا التأييد لا يشرف الشعب الكردستاني في تحقيق مشروعه. وبناءً على كل ما سبق، نرى أن إصرار السيد مسعود بارزاني في إجراء الاستفتاء في هذه الأوضاع غير المناسبة، يؤدي إلى تشويه صورة هذا الحق وربما إلى إجهاضه، (فما بني على باطل فهو باطل). إذ كما اوضح السيد حاكم قادر حمه جان، عضو المكتب السياسي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، «أن الحزب غير مستعد للمشاركة في استفتاء يُستخدم من قبل جهة معينة كورقة سياسية للضغط على الاطراف الأخرى، مشددا على ان الاتحاد الوطني الذي تبنى مبدأ حق تقرير المصير، يدعم اجراء الاستفتاء اذا كان لتحقيق الاستقلال عبر برلمان كردستان كمؤسسة شرعية قانونية.»(4)  في الحقيقة إن السيد مسعود بارزاني في مأزق الآن، ويرغب في الخروج منها ولكن مع حفظ ماء الوجه. إذ كما قال لوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الذي طلب منه تأجيل الاستفتاء، أنه يمكن أن يؤجله إذا ما قدمت بغداد البديل الأفضل. يعني ابتزاز. 
تداعيات الاستفتاء والاستقلال
1- إذا حصل الاستفتاء في موعده المقرر، فعلى الأرجح أن غالبية الشعب الكردستاني سيصوت لصالح الانفصال، وإذا ما تحق هذا التوقع، فعلى الأغلب لن يعلن السيد بارزاني الانفصال فوراً ، بل سيماطل، ويدعي أنه يستخدم النتيجة كورقة ضغط على الحكومة الفيدرالية في مفاوضاته معها. ولكن السؤال هنا هو: التفاوض على ماذا؟ فالإقليم يتمتع بأكثر من حقوق الدولة المستقلة، وعن ماذا يستطيع رئيس الحكومة الفيدرالية أن يتنازل؟ في الحقيقة لا أعتقد أن رئيس الحكومة الدكتور حيدر العبادي، أو أي شخص آخر في مكانه، بإمكانه، أو من حقه تقديم المزيد من التنازلات، والتفريط بحقوق الشعب العراقي خلافاً للدستور، من أجل استرضاء نزوات وغرور السيد بارزاني.2- في حالة إعلان الاستقلال، ماذا عن المناطق المتنازع عليها؟ فخلال تحرير محافظة نينوى من دنس داعش، قام بارزاني بقضم وضم نحو 16 منطقة إدارية إلى إمارته، وصرح (أن ما أخذ بالدم لن يتنازل عنه إلا بالدم!) إضافة إلى ضم كركوك وغيرها من المناطق في تآمر واضح يوم 10/6/2014. ولتلافي المزيد من الكوارث، يجب أن يرتقي المسؤولون من جميع الأطراف إلى مستوى المسؤولية، بأن يلتزموا بالدستور في حل المنازعات، وذلك باستفتاء سكان هذه المناطق تحت إشراف الأمم المتحدة، بعد الاستقلال، ويجب على الكل الالتزام بالنتائج.3- موقف الدول المحيطة في حالة الانفصال: لا أعتقد أن أية دولة ستشن الحرب على كردستان المستقلة، إذا ما التزمت كردستان المستقلة بحدود 2003، واستفتاء سكان المناطق المتنازع عليها بعد الاستقلال وتحت إشراف الأمم المتحدة لأية جهة يريدون. ولكن هناك خطر وقوع الحروب الأهلية داخل كردستان نفسها بين الأحزاب الكردستانية كما حصل في عام 1996، 4- هناك احتمال قيام الدول المحيطة بكردستان (إيران، تركيا، سوريا، وربما العراق)، فرض الحصار على جمهورية كردستان الوليدة، كما فرضت عدة دول خليجية الحصار على قطر، وإذا استطاع أمير قطر التخفيف من هذا الحصار بما يملك من أموال ضخمة وبمساعدة إيران، فماذا عسى أن يفعله بارزاني إذا واجه هذا المصير وهو عاجز عن دفع رواتب موظفي إمارته الآن؟  هذه التوقعات وغيرها كثير من المخاطر يجب أن يأخذها السيد مسعود بارزاني بنظر الاعتبار وهو يجازف بمصير شعبه ويقوده إلى منزلق خطير.

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*