الآن

إعادة هندسة الثروة في العراق

*الدكتور مؤيد الساعدي

في سبعينيات القرن العشرين وخلال سنوات حكم البكر للبلاد طرح بعض المستشارين وعلماء الادارة موضوع منح خريج كلية الادارة والاقتصاد لقب (مهندس اداري) لمبررات علمية وموضوعية يفهمها اصحاب الاختصاص، الا ان الموضوع تعثر بسبب منح الخريج المخصصات الهندسية والتي كانت موازنة البلد لا تتحمل وزرها فالهندسة الادارية والاقتصادية فعلا وبحق اصبحت علما لايمكن تجاهله في الالفية الثالثة فعلت فعلها اكثر مما فعلته الفلسفة الماركسية ونظريات النشوء والتطور والجاذبية ونظريات اخرى كثيرة، كونها نظريات استقرت على ثوابت، عكس النظريات الادارية للاسف التي تاخذ شكل النظام وطريقته ومنهجة وايديولوجيته وهذه طامة كبرى افقدت علم الادارة صفته العلمية وثوابته وابعدت البلاد عن المنهج المؤسسي،  فالادارة من وجهة نظر الاحزاب المؤدلجة اختصاص من لا اختصاص له، ولا ادل على ذلك مما تمر به بلدان كثيرة من سوء ادارة (Mis-management) عصفت بالبلاد والعباد، فمشكلة العراق اليوم ليست بعلم الكيمياء او علم الفيزياء او الهندسة المدنية … الخ من العلوم وجميعها محترمة، المشكلة اليوم بسوء ادارة علماء الكيمياء والفيزياء وسوء ادارة راس المال الفكري ورأس المال السائل ….الخ، الذي يهندس الحياة بعلمية بعيدة عن التخبط.
وعندما يكون عذر الانسان غير واقعي فانما يعكس سطحيته ولربما يفضل الانسان ان يقال عنه سطحي افضل مما يقال عنه فاشل، فتشخيص سطحية الانسان قد يحمل محملا سياسيا، وفي السياسة اصحاب واعداء، ولكن عندما تشخص فشل انسان في تجربة او قيادة او زعامة انما يستوجب الأمر ازاحة الفاشل، وفي العراق وفي معترك الاقتتال على المناصب يتمسك البعض بفشله حتى يزين له بانه على حق ويسير بنجاح فيستنجد بزورق النجاة ويسوق الاعذار بما فيها الاعذار السطحية.
ولو اخذنا قانون التأمينات الاجتماعية الذي صوره البعض تحت يافطة الرعاية والتكافل والمساواة وشمول اكبر شريحة من العاطلين لراينا اننا نبالغ كثيرا في نقد وزاراتنا التي لم تنتبه لمخاطر القانون، وربما يقول البعض ان الوزير الفلاني لم يقرا اصل القانون ويرمي التبعة على المستشارين، نقول كل شيء وارد فهناك من يوقع على وفق نظرية القطيع وهناك ممن تشغله اعباء الوزارة ويعتمد على المستشارين، كما ان هناك بعض المستشارين ممن لم يهمه امر المسحوقين لطالما انه في مامن من تداعيات القرارات والقوانين والمهم بقاؤه في المنصب.
انه لاينكر ان هناك جوانب خلل قانوني لمشروع القانون لم ينتبه لها من وضع مسودة القانون الا ان العراقيين (ذوو مزاج حليبي هذا نقلا عن لسان العلامة المرحوم السيد علي الوردي)، يفورون ويبردون في لحظة، ولكن هل لمزاجيتنا من عقلنه ذات يوم فالسيد الجعفري لطالما صدح بعقلنة الشهوة ولكنه للاسف لما وصل الى صندوق النقد الدولي ليدخل البلاد في معمعة لانهاية لها فقد (شهون العقل)، نعم انه صاحب نظرية (عقلنة الشهوة وشهونة العقل)، الذي تجاهل كل تجارب العالم الفاشلة مع صندوق النقد الدولي وتجاهل اراء اهل الاختصاص، فان هناك امر في غاية الخطورة يحدق بالعراق فلا مجال لحليبية المزاج ولامجال لشهونة العقل، الموضوع ياسادة ياكرام هو اكبر من ان ننتقد وزراءنا، فلربما يكونون ابرياء ولامستشارينا لانهم قد يكونوا مغلوبين على امرهم اذ يراد منهم ان يكونوا على وفق نظرية (yes men)  الموضوع انها نظرية اعادة هندسة الثروة في العراق فها هو (جون بيركنز) مؤلف كتاب (الاغتيال الاقتصادي للامم) يوضح على انه على الدول التي تتبع فلسفة صندوق النقد الدولي لابد ان توافق على شروطة، وان تقبل المفاهيم الجديدة منها ، تحرير التجارة، حقوق المستهلك، الخصخصة…الخ، فهناك دول كثيرة تبعت صندوق النقد الدولي حتى رات مر الهوان هي وشعوبها، اقصد البرازيل واليونان ومصر وغانا وغيرها.
ان الدول التي تتبع صندوق النقد الدولي ملزمة ان تسير على وفق طريقين.
 الطريق الاول هو ان تضع خطة لسداده من دون ان تتحول الى الراسمالية التي تهدر حقوق المواطن  والدعم. 
والطريق الثاني فهو ان ينهك اقتصاد الدولة حتى يتحول الى شبح يطاردها ويقلق منامها وتعجز عن سدادة لتستسلم لفروض اوسع لسحق المواطن وتبدا دائما بتعويم العملة المحلية.
 ونستشهد في تجارب الدول التي سحقها صندوق النقد الدولي:
 البرازيل بعد ان اثقل صندوق النقد الدولي كاهل البرازيل بالقروض والديون خرجت البرازيل بنتيجة ان فقط 20% من البرازيليين يمتلكون 80% من اصول ممتلكاتهم، فبلاد السامبا سددت في اربع سنوات بدءا من 1985 ماقيمته 148 مليار دولار اكثر من نصفها فوائد، وسرحت ملايين العاملين، وخفضت اجور العاملين، والغت التغذية المدرسية، وسمحت لدول اخرى بالتدخل في سياساتها الداخلية والتحكم بسيادتها مقابل المبالغ المدفوعة كقروض ، حتى ان مندوبي البنك الدولي فرضوا موادا على الدستور البرازيلي اشعلت احتجاجات اهلية. واصبح 1% فقط يحصلون على نصف الدخل القومي، ان ما جرى على يد صندوق النقد الدولي هو اعادة تقسيم ثروة البلد من جديد وهبط ملايين اسفل خط الفقر ، اذ ان نصف الشعب اصبح يتقاضى 80 دولارا شهريا، وهكذا دواليك عندما ناتي لتجربة العراق اذ اشترط صندوق النقد الدولي رفع اسعار الوقود الى 750 دينارا للتر الواحد والدولة في طريقها لذلك تدريجيا مع جس النبض للمواطن بين الفينة والاخرى، والغاء 80% من البطاقة التموينية، وخصخصة الاتصالات وهكذا اصبحنا بنعمة كورك واسيا سيل وعراقنا التي يمتلكها حيتان الفساد، والان نسير بخصخصة التعليم والصحة والنقل والماء والكهرباء، فلا الوزير له ذنب ولا نكثر الجدال فلننتفض على من سرق المليارات ونقف بصلابة امام صندوق النهب الدولي (كما وقف احد منا من قبل لا اريد امتداحه فاحسب بوقا له وهو غني عني) فالصندوق اداة العولمة وذراعها المالي وان لنا ابناء عمومة يتحكمون بهذا الصندوق، ونتبنى منهج الاصلاح الاداري ولا نقف بوجه المصلحين فها هو دولة رئيس الوزراء قالها صريحة كلما نقدم على الاصلاح في مجال  تخرج لنا مافيات الفساد ولا نكثر لجدال ونحفظ لمكة هيبتها.
*استاذ ادارة الاعمال/ جامعة الفرات الاوسط التقنية

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn