الآن

أيها الساسة ..هذا ما يملكه الزعيم

نعمان حافظ اللامي            


   هل سمعتم أن زعيماً أو رئيساً  لدولة وهو يمثل أعلى سلطة فيها لا يملك داراً للسكن ولا حتى متراً واحداً فيها ؟ والواقع أن ذلك لا ينطبق على أحد من الزعماء إلا على الزعيم الأمين عبد الكريم قاسم.
الزعيم عبد الكريم قاسم  لم يزايد على حساب شعبه ولم يٍفرط بحقوق الفقراء ولم يغتن على حساب غيره ، فلم تكن له ثروة أو بيت أو حتى قطعة أرض باسمه، ولم تغره الدنيا كغيره ممن حكموا العراق، فابن محلة المهدية لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ،فهو ينتمي لأسرة امتازت ببساطتها وأصالتها، فالأب المرحوم قاسم محمد البكر الذي ينتمي لقبيلة زبيد القحطانية الأصيلة ،كان مثالا ً للأمانة والنزاهة ،تقياً ورعاً قضى حياته في عبادة الله وطاعته وأم مؤمنة وتقية تنتمي لقبيلة تميم العدنانية، وتعلم الزعيم من والديه العبادة والأمانة وحب الناس وتعلم منهم الزهد وطاعة الخالق، وزهد هذا الرجل الأمين وصل إلى الحد عدم تمكنه من الحصول على قطعة أرض له أسوة بالضباط الآخرين بعد أن دخل اسمه في القرعة مع الضباط الآخرين وهو رئيس الحكومة العراقية حينذاك!! وهناك من يذكر أن الزعيم علم من مرافقه الشخصي  بعدم امكانية شموله بقطعة الأرض كون الضوابط قد حددت المشمولين بالأراضي( الضباط المتزوجين فقط )والزعيم غير متزوج أساساً ، ولذلك أقترح علية مرافقه الشخصي تعديل الضوابط إلا أنه لم يوافق على ذلك واكتفى بالقول ( قسمة ونصيب)!! أي زهد وأي تواضع لهذا الأمين ،كما أنه رفض طلباً تقدمت به أخته (أمينة) للحصول على دار للسكن وثبت ذلك تحريرياً على طلبها (صبراً أختي أمينة فما زال في العراق من هو أحوج منك).
الزعيم عبد الكريم قاسم يعمل لأجل الوطن ولم يُفرط  بحقوق  شعبه ،وصادف أن زار العراق وفد من جمهورية مصر العربية بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة عام 1958 والوفد المصري جاء بناء على طلب من الرئيس المصري جمال عبد الناصر بهدف الحصول على مساعدة مالية لإكمال مشروع السد العالي، الأمر الذي جعل الزعيم أن يقوم بمصاحبة الوفد واجراء زيارة ميدانية إلى منطقة يسكن فيها مجموعة من فقراء العراق وهي تمثل أشباه البيوت التي بُنيت من السعف والطين (صرايف) ولا تتوافر فيها أبسط متطلبات الحياة  التي كانت تسمى (الميزرة) التي منح أهلها قطع أراضٍ مجاناً (مدينة الصدر حالياً) وأبلغ الزعيم  الوفد الزائر بعد أن أشار لهم على تلك البيوت البائسة (ان هؤلاء البسطاء هم الأحق بالمساعدة) وهذه المدينة الباسلة بفضل الله ورعايته وحب الزعيم أصبحت بحق (مدرسة عبد الكريم قاسم للثقافة والإبداع والأدب والشعر) فقد أنجبت المئات  من الأدباء والشعراء والمبدعين في الفنون وأبطال الرياضة وكبار الأطباء والمهندسين ولولا إرادة الله ورعاية الزعيم لهؤلاء الفقراء لضاعت على العراق طاقات وإبداعات مازلنا حتى الآن نلمسها ونحس بها ولا يمكن لأحد أن ينكرها .
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يطلب لنفسه شيئاً ولم يطمع لذاته وهو مثال الأمانة ونكران الذات وحب الخير ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، واعتاد الزعيم بعد صلاة الفجر القيام  بجولات ميدانية(من دون حماية لأنه يدرك أنه ابن الشعب وأبناء الشعب هم حمايته) للاطلاع على أحوال شعبه وصادف أن دخل على أحد الأفران لبيع الصمون والمعروف عن الزعيم أنه فطن ودقيق الملاحظة وجلب انتباهه بأن صاحب الفرن يعلق صورة كبيرة للزعيم في محله وأن حجم الصمونة التي يقدمها إلى المواطنين صغيرة الحجم، فقال له الزعيم (ان كنت تحب عبد الكريم قاسم..عليك أن تكبر صمونتك وتصغر صورتي) مما يعكس تواضع هذا القائد وبساطته ونكران الذات والورع الذي تحلى به.
الزعيم لم يجامل على حساب شعبه ولم يفعل كما فعل غيره ممن أهدروا ثروات شعبهم طمعاً بتحقيق المكاسب الذاتية على حساب فقراء العراق وبددوا ثرواتنا ومنحوا أموالاً طائلة (بالكواني) لبعض الحكام الأفارقة المارقين الذين حولوا تلك المبالغ لحساباتهم الشخصية إضافة إلى بعض المأجورين من  الفنانين ،الشعراء وبعض السياسيين (العرب أو الأجانب)وبعض الإعلاميين لشراء الذمم وصناعة الأبواق كمحاولة لتحسين وجوه أنظمتهم القبيحة،في حين كان المواطن العراقي يعاني من العوز والحاجة ونقص الخدمات وتفشي البطالة والشعب مغلوب على أمره من قبل الحكام الطغاة الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية على حساب جوع الشعب وحرمانه.
الزعيم عبد الكريم قاسم امتاز بالذكاء والشجاعة والعبقرية فكان متفوقا ً في دراسته، وعلى الرغم من أنه عمل معلماً عام 1931 إلا أن قدره شاء له أن يلتحـــــــق بالكلية العسكرية في15/9/1932 ليتخرج منها ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ، كما حصل على شارة الأركان عام 1941، وقد كانت له صولات خلال حرب (1948)مع الكيان الصهيوني وأذهلتهم قدراته وشجاعته ومعركة (كفر قاسم) أكدت عبقريته ونبوغه الذي أوقع في العدو الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والمعدات ومازالت هذه المعركة تذكر على أنها من أفضل الدروس العسكرية  في المعارك الخاطفة، وبقيت معركة كفر قاسم من المعارك التي يعتز بها العرب لأنها أثبتت القدرة القتالية والنبوغ في العلوم العسكرية لقائد عربي شجاع كسر شوكة الصهاينة المحتلين.
إن الزعيم عبد الكريم قاسم يعني الحرية والكرامة وعبقريته فجرت ثورة (14) تموز المجيدة عام 1958 وهي بحق ثورة المنجزات والمعجزات، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم مهندسا بارعا في إدارة المفاوضات مع الشركات النفطية الاحتكارية التي امتصت دماء العراقيين وحصلت على امتيازات لا حصر لها من جراء عقد اتفاقيات جائرة بسبب تخاذل الحكام الذين سبقوا الزعيم عبد الكريم قاسم ، وقد ألزمت ثورة (14) تموز جميع الشركات الاحتكارية وأعادت التفاوض معها بما يؤمن مصلحة الوطن وعدم التفريط بحقوق الشعب العراقي.
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن كغيره من الحكام الذين سبقوه ومن جاء من بعده الذين باعوا الوطن وفرطوا بثرواته من أجل مصالحهم الشخصية وتخاذلهم أمام الأجنبي بل كان حقا العبقري الذي صان ثروات الوطن وحفظ حقوق شعبه من دون أن يحقق لذاته أي مكسب شخصي أو أي منفعة ذاتية له أو لعائلته أو لأي من أقاربه، إنه والله مثال القائد النزيه والأمين على مبادئه وعقيدته، وهو القائل: (إنني لا أملك شيئا، أملك البزة العسكرية وهي ملككم، وأمنيتي في هذه الحياة هي أن يكون الشعب معززا، مكرما ،سيدا وحرا، له مطلق الحرية والسيادة.. إننا جئنا لنقضي على التعسف، إنني مع أبناء شعبي كافة من دون تمييز.. إنني فقير ولدت وعشت في حي الفقراء، وقاسيت زمنا طويلا مرارة العيش ولكننا نملك غنى النفس ونملك غنى الإباء…)
تعلموا أيها الساسة من الزعيم عبد الكريم قاسم بأن حب الوطن ونكران الذات واحتضان الفقراء هو سندكم ونجاتكم من لعنة التاريخ والتاريخ لا يرحم من خذل شعبه.
عزيزي القارئ.. هذا هو القائد الذي نبحث عنه ونتمناه لشعبنا الذي عانى الظلم والاستبداد والدكتاتورية المقيتة، واليوم نبحث عن عبد الكريم قاسم آخر ليكون المنقذ في زمن نحتاج فيه إلى الشرفاء من أبناء الوطن للأعمار والبناء وان تبدأ صولة النزاهة لنبذ اللصوصية  وسرقة المال العام، وان حب الوطن والانتماء اليه هو فوق كل الانتماءات ، فالعراق يستحق الحياة ويستحق أن نفخر به لأننا سنكبر معه وقدرنا من قدره ومصيرنا من مصيره، فرفقاً به أيها الساسة.
قد يكون المنقذ بيننا الآن أو ربما غداً أو بعد غد، والمهم أن الأمل بالله كبير ولابد لنا أن نؤمن بأن هناك ضوءاً في آخر النفق لعودة العراق شامخاً ومعافى،  ولابد أن يكون ذلك قريباً وقريباً جداً إن شاء جل جلاله.
شخصية الزعيم ( Character ) شخصية نادرة تبلور فيها كل ما هو رائع ومحبب للآخرين فقد جمع من الصفات ما جعله قريباً من شعبه ومضحياً لوطنه فقد اجتمعت فيه صفات البطل والفارس النبيل والعفو عند المقدرة ،العبقرية والشجاعة،النزاهةوالأمانة،الورع والصبر، وحب الوطن وحب الفقراء ويتجلى ذلك في الباتريوتزم( Patriotism) الآتي من رحم أمهات الفقراء الذي يعني العشق الأبدي لزعيم الفقراء.
ألا يستحق هذا الزعيم نصباً في قلب بغداد بمستوى نصب الحرية؟ وهذا النزيه لم يمهله أعداؤه وخافوا منه حتى بعد استشهاده وعمدوا إلى عدم ترك أي أثر له وحتى قبره!! ألا يستحق أن نترك لأجيالنا القادمة مناراً خالداً للنزاهة وأن نكتب عليه( عاش الزعيم فقيراً ومات فقيراً وحقاً لا يملك هذا الأمين شيئاً سوى البدلة العسكرية وحب الفقراء). سؤال يستحق الاهتمام والرعاية لمن يعرف قيمة الأمانة ومعنى النزاهة. أيها الساسة…  هذا ما يملكه الزعيم، وأنتم ماذا تملكون؟
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*