الآن

أوربا بين أميركا وروسيا

فيودر لوكيانوف

تهدف موافقة الكونغرس الأميركي على حزمة عقوبات ضد روسيا، إلى عدم السماح لإدارة دونالد ترامب بإلغاء التدابير التقييدية التي أقرها سلفه ، باراك أوباما على روسيا. ومع ترسيخ العقوبات هذه في قانون، يتعذر أي تفاعل روسي – أميركي، ويصير مستحيلاً . ولو بادر الكرملين الى تنازلات ، لن يرى الكونغرس أنها كافية ، وقصة تعديلات جاكسون – فانيك مثال على ذلك (وهي تعديلات أقرت في 1974 لتحديد العلاقات التجارية مع دول الكتلة الشيوعية التي تقيد حرية الحركة والهجرة وتنتهك حقوق الإنسان).
ويثير القانون أيضاً قلق أوربا بسبب قيود يفرضها على شركات الطاقة والعمارة والهندسة الأوربية في التعامل مع روسيا. وتصيب الضربة الرئيسة مشروع «التيار الشمالي»، الذي تحاربه الولايات المتّحدة منذ وقت طويل. ومع ذلك، فإن تشابك العلاقات في مجال الطاقة بين روسيا والاتحاد الأوربي كبير ومتشعب. وتواجه عدد كبير من الشركات الأوربية غرامات كبيرة أو احتمال الطرد من السوق الأميركية بذريعة انتهاك عقوبات أحادية الجانب لا تستند الى أسس في القانون الدولي. ويسوّغ هذه العقوبات تفاصيل الصراعات السياسية في الداخل الأميركي التي تختزل بشعار أو الخط الإستراتيجي «أميركا أولاً»- وترامب يحمل لواءه. ويقول المسؤولون في الاتحاد الأوربي أن التشدد الأميركي يهدف إلى تغيير خريطة الطاقة في أوربا في الأمد المتوسط، أي إقصاء الغاز الروسي من السوق الأوربية والاستعاضة عنه بالغاز الطبيعي المسال من أميركا، وتخويف أوربا من الخطر الروسي للتعويض عن كلفته (الغاز الأميركي) المرتفعة التي تتجاوز بوضوح كلفة الغاز الروسي. وروّج ترامب، أثناء كلمته في بولندا بداية تمّوز (يوليو)، لتوريد الغاز «الآمن» من أميركا الى أوربا الشرقية بديلاً من الغاز «العدواني» الروسي. ودعم نظيره البولندي هذا الترويج. وهذا يعني أنّ لدى ترامب حلفاء في الاتحاد الأوربي. وواجه مشروع «التيّار الشمالي» انتقادات كثيرة. وترى كثير من الدول الأوربية أن ألمانيا تنزل، عبر هذا المشروع، على مصلحتها الخاصة في المقام الأول. وسبق ان عارضت برلين مشروعاً مماثلاً هو «التيّار الجنوبي» (نقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود الى بلغاريا وعبر صربيا وسلوفينيا الى النمسا) لا يصب في مصالحها. والحق يقال إن عقوبات الكونغرس موجهة ضد ترامب، من جهة، ولكنها، من جهة أخرى، تتفق تمام الاتفاق مع فلسفته وأهدافه . فالرئيس الجمهوري يرمي الى تعديل القواعد والنظم في الساحة الاقتصادية تعديلاً يخدم مصالح أميركا على امثل وجه، خدمة مطلقة . وعليه، فإنّ طيف الحروب التجارية قد ينتقل من طور المخاوف الى طور الواقع في القرن الحادي والعشرين. ومثل هذه الحروب كان، الى وقت قريب، يُخشى اندلاعها بين أميركا والصين. ولكن هذه الحروب اليوم هي احتمال ماثل وربما راجح بين الاتحاد الأوربي وأميركا .


* محلل سياسي عن «روسيــــيسكايا غـــازيــتا» الـــروســيــــة
 

شارك الخبرShare on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*